روابط للدخول

طبّاخ شاعر يحوّل مطعمه الى ملتقى ثقافي وسط بغداد


يُفاجأ الداخلون إلى مطعم "الطرف" الذي يتوسط منطقة الكرادة ببغداد بأجواء مختلفة عن تلك التي تسود المطاعم الأخرى، وزبائن من نوع أخر، وملصقات متنوعة تمثل إعلانات عن أمسية شعرية او ندوة ثقافية أو مسرحية جادة أو معرض تشكيلي او سهرة موسيقية، جعلت من هذا المطعم ملتقى للشعراء والمثقفين، بفضل الطباخ "الشَفْ" الذي يسميه الجميع "الدكتور".

هذا التميّز حققه محمود السوداني البالغ من العمر 50 عاماً الذي يعدُّ من أشهر طهاة الأكلات الشعبية والغربية في العراق في الوقت الحاضر، بعد أن تدرّج في مهنة الطبخ وعمل في أشهر فنادق بغداد ومطاعمها، وبالرغم من انه لم يستطع إكمال دراسته، لكنه مغرم بالشعر والأدب بشكل عام، وبرع منذ طفولته بكتابة القصيدة العمودية، فيما يعتبر الآن من كتّاب قصيدة النثر المعروفين في الوسط الثقافي العراقي.

السوداني الذي عُرَِف عن تعامله بخصوصية مع المثقفين، وانه غالباً ما يرفض استيفاء مبالغ الوجبات التي يقدمها للشعراء غير القادرين على الدفع، يقول إن جميع الأعمال فيها قدر كبير من الشاعرية، ويشير الى وجود قرب بين الطبخ والكتابة الشعرية يكمن في "الحرفية والممارسة اليومية لاختبار المقادير والصنعة في إتقان لعبة المزاوجة بين ملوحة الإحداث وحلاوة التحليق فوق الممكن والواقع المر". ويضيف قائلاً:
"في الطبخ سحر الخلق من المجرد، وفي الشعر سحر مماثل في الخلق لتحويل وتفجير المكنون في مفردات صماء تمسي بعد ذلك إلى موسيقى كلامية تنعش الروح وتبث فيها الحياة".

ويذكر السوداني إن المطعم الذي يعمل فيه تحوّل إلى واحة من الشعر والفن، فأين ما تقلب ناظريك تجد لوحة لفنان مغمور أو مشهور، الى جانبها تُعلّق قصيدة حب، وأخرى للشوق والعتب، وتتناثر هنا وهناك مقالات نقدية وحتى دراسات بحثية ثقافية.

ويشير السوداني الى ان المطعم يشهد حرب كلامية أو نقدية ممتعة بين المثابرين الشعراء كل يوم، ويلفت الى ان المطعم أضحى مكاناً تُدرس فيه تجارب الشعراء الشباب، ويقول انه يحاول في كل أسبوع تنظيم جلسة نقدية برفقة شاي الفحم الأصيل، وبعد وجبة غداء مميزة تتنوع بين ا"لتمن والمرق" أو "التشريب" او "المشويات"، ومثلها يتنوع الشعر بين النثر والحر والعمودي.

ويقول السوداني ان كثيراً من المواقف المحرجة وقعت في المطعم لكنها لم تمنعه من ممارسة عشق الكتابة كهواية، لن يتخلى عنها، ولم تجبره بالمقابل على ترك مهنة الطبخ الذي يمثل مصدر رزق وحيداً له، فناً مكملاً لشاعريته.

من جهته يؤكد الشاعر والصحفي المدمن على المجيء إلى واحة الشعر في الكرادة احمد الثائر، ان شعراء ومثقفين من مختلف الأجيال يتجمّعون كل يوم عند "الشيف" محمود الذي يعرف جميع خفاياهم وأسرارهم ومقالبهم، ويقول الى انه يفتح أبواب القلب مثلما يفتح أبواب المطعم، حين يقرأ أولئك الشعراء قصائدهم بصوت عال، ويطلبون أغاني أم كلثوم وفيروز، ويخرجون أحيانا دون أن يدفعوا الأجور، وكثيرا ما يعاتبهم السوداني بالشعر، فيكون اعتذارهم شعراً.

ويضيف الثائر إن محمود السوداني الذي يستعد لنشر مجموعتين شعريتين يمثل نموذجا للكادح الواقعي الذي يرفض الاستسلام إلى خيبات الزمن وعثراته، قائلاً:
" انه القارئ المتنوع والشاعر الذي يطور لغته باستمرار، والباحث عن التجديد في الشعر والطبخ، مبدع في تقيم إعمالنا ونقد منجزنا بعلم وذكاء يغوص في اليوميات التي يعيشها الزبائن ليحولها إلى قصائد تفوح منها عطور الصنعة، لا يبخل بمساعدة الآخرين... في مطعمه تتولد وتنتج أجمل العلاقات والمشاريع بين المثقفين، ومن خلال واحته نتعرف على أنشطة الأسبوع الثقافية.. فنحن نأتي إلى المطعم ليس فقط من اجل تناول الوجبات، وإنما الاستمتاع بشعره والتواصل لساعات مع شاي الفحم في تقيم التجارب والحديث الممتع".

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG