روابط للدخول

في الذكرى المئوية لميلاد الفنان العراقي الكبير عزيز علي


الفنان عزيز علي

الفنان عزيز علي

تمر هذه الأيام الذكرى المئوية الأولى لميلاد فنان عراقي غير تقليدي، كان مفكرا وصاحب مبدأ ومواقف، ترك بصماته الفنية عبر ما يزيد عن نصف قرن على الرغم من أنتاجه قليل دفع ثمنه سنين من السجن والملاحقة ومحاولات الإساءة من الأنظمة المتعاقبة لكنه ظل يحظى باحترام الشعب.

فناننا هو المنولوجست الشهير عزيز علي، الذي مرت هذه الذكرى دون أن تنتبه المؤسسات المعنية إليها باستثناء قلة من محبيه وحيث أن إذاعة العراق الحر كانت المبادرة إلى رفع الحظر الذي وضعه النظام السابق عليه لعقود طويلة باستخدام أغانيه في مستهل البث وأثناءه وفي ختامه عند بدءها البث عام 1998، حتى أصبحت علامة فارقة لها، وسببا من أسباب إقدام المستمعين عليها، واحترام تبنيها لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة في العراق، لذا فإنها ارتأت أن تستذكر هذا الفنان في ذكرى ميلاده.

وعلى الرغم من تنبيه بعض وسائل الإعلام العام الماضي بحلول الذكرى المئوية للفنان عزيز علي هذا العام إلا أننا لم نر مبادرة من أية جهة داخل العراق للاحتفاء باستثناء المنتدى الثقافي العراقي في دمشق.

الفنان عزيز علي من مواليد عام 1911 في جانب الكرخ أنهى دراسته الثانوية في الثانوية المركزية ببغداد عام 1931، بدأ عزيز علي عمله في إذاعة بغداد منذ بداية تأسيسها عام 1936، وكان يؤدي أغانيه بشكل حي، حيث لم يكن التسجيل قد بدأ بعد، ويتحدث صاحب الكتاب الوحيد عن حياة عزيز علي الذي يحمل عنوان "اللحن الساخر" الكاتب والمفكر حسن العلوي عن تلك الفترة بالقول، "عندما تحل الثامنة والنصف من مساء كل يوم أربعاء ، ينساب السحر الحلال ، فتشرئب إلى الراديو أعناق الرجال في مقهى " رجب " في كرادة ، بغداد و تتحرك اللجى .. إن " عزيز علي " يصدح بصوته الآن ، كان هذا الصوت يجمعنا ، نحن الصبية ، مع رجال المقهى ، يحركنا كما يشاء ، فنضحك حين يضحك ونسخر حين يسخر... كنا نمخر عباب البحر في مونولوجه الشهير ( السفينة ) وكان مونولوجه ( الدكتور )........ يأخذنا إلى حيث نكشف أمراض المجتمع .. وعندما تنتهي الدقائق العزيزة المخصصة لهذا الفنان من قبل إذاعة بغداد ، نقوم بترديد كلمات مونولوجاته بينما تنهال عبارات الثناء التي يطلقها رجال المقهى ..".

وحيث أن الفنان عزيز علي كان يافعا عندما تأسست الدولة العراقية الحديثة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية في بدايات العقد الثاني من القرن الماضي فانه اطلع على مخاض التأسيس ورافق نموها وتطورها وعاصر آلام الشعب جراءها وآمالهم منها وراح يجسد تلك الصور والأحاسيس في منولوجاته، فكان دقيقا في التشخيص ومتشددا في الحل حتى وصف بالثائر لكنه نأى بنفسه أن يعبر عن أي تيار سياسي أو يتبنى موقفا حزبيا بل كان انحيازه إلى الفقراء والضعفاء وهؤلاء كانوا يشكلون الغالبية العظمة من الشعب العراقي بل ومن معظم الشعوب لان العالم كله كان يمر عبر ممر ضيق بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وكان المنولوج هو النموذج السائد في معظم دول العالم في حينه بسبب تلك الظروف التي ولأنه النموذج الوحيد الذي يسمح بتناول مواضيع واقعية والتعليق عليها فكانت الكباريهات في باريس وبرلين ولندن وبقية أنحاء العالم وكذلك في مصر وسوريا ولبنان هو السائد ، وفي مصر بالتحديد كان هناك شكوكو وعلي الكسار وشفيق جلال ، وكان هؤلاء يتناولون مواضيع شتى لكن بدرجة اقل من التحريض على التغيير لذا عرف عزيز علي بأنه تبنى الكوميديا السوداء، وقد قال مرة في حديث إذاعي أدلى به لإذاعة القاهرة في الستينيات من القرن الماضي إنه لا يقدم مونولوجاً بل يكتب مقالة في موضوع محدّد ثم يقوم بإلقاء تلك المقالة صوتياً وفق إيقاع لحني مناسب.

وتميز عزيز علي بمبدأ التحريض يبدو واضحا حتى سمي بالفنان الثائر، وقد استغل فسحة الديمقراطية والحريات المتاحة في العهد الملكي للتعبير عن فكره وفنه ولم يتعرض إلى الملاحقة إلا في العهود الجمهورية التي تلت إذ تعرض لأشكال القمع المختلفة مثل العزل والنقل والفصل، بالرغم من انه لم يواصل عمله وكانت أعماله ممنوعة من البث لكن فنه علق بالأذهان وظل الناس يرددون أغانيه ما كان يثير غضب وسخط الأنظمة عليه، ولكونها لم تجد ما تتهمه به فاتهمته بعلاقات خارجية لم تثبت ضده.

لم يتردد عزيز علي في المطالبة بمحاسبة المسيئين من المسؤولين والسياسيين ممن آل إليهم مصير الأمة لكنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية مما تسبب في استشراء الفساد المالي والإداري واستغلال المناصب لتحقيق مآرب خاصة وشخصية وغياب الشفافية والصدق في الأداء والعمل.

ولم يكن يقتصر عزيز علي في نقده الساخر على العراق وشعبه بل كان يتطرق إلى مشاكل الأمة العربية، وعند تأسيس جامعة الدول العربية منتصف الأربعينيات من القرن الماضي زاد الأمل في تحسن الأوضاع، لكن سرعان ما أصيب العديد من النخبة ومنهم الفنان عزيز علي بالخيبة، لأنها لم تكن بمستوى الطموح فوصفها بالمشلولة، وتوقع أن تؤدي إلى المزيد من التفكك وهو ما حصل إذ كان عدد الدول العربية حين تأسيس الجامعة سبع دول فغدت فيما بعد اثنتان وعشرون دولة وقريبا في غضون أيام ستتقسم دولة أخرى هي السودان.

وحيث أن العراق كان حريصا في أن يكون بمنأى عن الحروب والصراعات بين الكتلتين الشرقية والغربية فانه كان يدعم هذه السياسة ليس من باب التملق كما يبدو لكن من باب تأييد هذه السياسة لأنها كفيلة بحماية العراق من التورط في تلك الحروب وما يمكن أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بمصالح بلاده وشعبه.

وكان عزيز علي قد انتبه إلى ثورة الاتصالات التي بدأت في العالم وتحسس أهميتها لأنها كانت بوابته إلى الرأي العام عندما فتح الملك غازي الأبواب أمامه للغناء من إذاعة بغداد فغنى "الراديو".
وقد دافع الفنان عن مظاهر التحضر في المجتمع ومنها الأدب والفن الرصينين واخذ ينتقد محاولات الإساءة وما سمي بالفن الهابط الذي حصل جراء دخول أناس غير مختصين وليسوا أصحاب كفاءة وموقف.

ويؤمن الفنان عزيز علي بأن الأوضاع لابد أن تتغير مهما طال بها الزمن فهو بذلك يحض المجتمع على التفاؤل كما يعبر ذلك عن بعد نظره وتحذيره للمسيئين من أفراد وأنظمة بأن لا ديمومة لهم بل هناك صيرورة للأشياء والأفراد والقوى ولابد من تحسين الأداء إذا كان لابد من الاحتفاظ برصيد تاريخي إيجابي فغنى اغنيته الشهيرة " كل حال يزول".

وكما أسلفنا فان " اللحن الساخر" هو الكتاب الوحيد الذي ألف عن الفنان عزيز علي وهو للكاتب حسن علوي وألفه عام 1967 ويقول علوي إن " عزيز علي " رسم خارطة اجتماعية عراقية ، بحس ورؤية وطنية ، فلم يتخذ من رسالته الوطنية دعاية أو وسيلة للتزلف أو المراهنة، وكان يتمتع بشخصية مهابة ، ويحرص على الأناقة في الملبس وفي الكلام وهو محب للنكتة.

وقد شكت ابنة الفنان مي عزيز علي ليس فقط من تجاهل والدها بل من محاولات الإساءة المتعمدة وغير المتعمدة منها انه كان يعيش على فنه ويتنقل بين البارات والملاهي فتقول انه عندما منع من أداء المنولوج في الإذاعة انتقل إلى كربلاء مع عائلته وفتح محلا لبيع الأحذية.
وأضافت مي في رسالة لها ردا على ما ورد في برنامج أعدته قناة فضائية عراقية أن والدها عزيز علي كان موظفا في مديرية الجمارك وانه فصل مرة لاشتراكه في تظاهرة ومرات بسبب منولوجاته التي كان يدخل بسببها السجن ويطلق سراحه بعد حين.

كما أسس عزيز علي أول مدرسة لموسيقى الأطفال عندما كان يعمل مديرا للقسم الفني في وزارة الثقافة والإعلام بعد أن تعرف على مثيلاتها في سفراته الإعلامية العديدة إلى دول العالم المختلفة.

وكان عزيز علي مثقفا يجيد عدة لغات وهي الألمانية ، الروسية ، العربية ، الكردية والفارسية إجادة تامة ما أهله للحصول على وظيفة ملحق ثقافي وإعلامي في سفارة العراق في براغ، التي شهدت انطلاق إذاعة العراق الحر منها والتي أحيت تراثه الذي كان ممنوعا في بلاده وجعلت من أغانيه علامة فارقة لها حتى اليوم.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG