روابط للدخول

في مراجعات زمنية ، سريعة ليس الا ، نحصي للجواهري حوالي ثلاثة عقود في متاهات الغربة والاغتراب ، والمنفى ، وان لم يكن يحب استخدام تلكم الكلمة الاخيرة اباء وشموخا وما بينهما ... وتلكم العقود الثلاثة التي نؤرخ لها ، موزعة – بحسب ما ندري - على باريس والقاهرة وبراغ ودمشق بشكل رئيس ، دعوا عنكم محطات اخريات هنا ومثيلاتها هناك ، في عواصم ومدن عربية ، وعالمية ، شهدت هي ايضا اقامات مؤقتة للشاعر المغترب – قسرا - من هموم الدنيا الى فضاءات الذات ، والبدائل المرتجاة.... ولن ندخل في مسارات ذات صلة بما نوثق له من قبيل الغربة في بلاده العراقية حتى ...


ومن الطبيعي والحال على ما عليها ، ان يعج قصيد الديوان الجواهري العامر بالكثير والمتنوع عن المعاناة ، والهضيمة من الجحود ، والشوق والاشتياق ، وكذلك النقد الجارح والقاسي والمعبر ، لواقع وموروثات واحداث وسلطات ومسؤولين وشخصيات ، بل ومجتمع ونخب سياسية وثقافية وما الى ذلك ....

بماذا يخوفني الارذلون... ومما تخاف صلال الفلا
ايسلبُ منها نعيم الهجير ونفح الرمال وبذخ العرا
بلى، ان عندي خوف الشجاع و طيش الحليم وموت الردى
متى شئت انضجت نضج الشواء ، جلودا تعاصت فما تُشتوى


وهكذا نرى الشاعرالكبير يشد الرحال الى باريس ، ليقيم فيها اكثر من ستة اشهرواخر الاربعينات الماضية ، وليعود الى البلاد مهموما وناقدا ، ومنها غاضبا و"مهاجرا" عام 1951 الى القاهرة ، ملوعًا وملتاعا من لواعج ، وهموم البلاد ومجتمعها.

ومن القاهرة الى بغداد من جديد ، ليعتقل فترة ويجامل حينا ويغضب ويغاضب احايين ، سلطة ونخبا سياسية وثقافية وزعامات لا تحصى ... ، ومن ثم ليعتزل "مزارعا " في احد ارياف مدينة العمارة عام 1955 ومنها الى دمشق- عام 1956 - لاجئا سياسيا هذه المرة ، بعد قصيدة شهيرة ، خلف وراءه فيها غاشية الخنوع ، ليقبس جمرة الشهداء، وبكل عنفوان.

ثم يحل اوان العودة الى البلاد والاهل والوطن ثانية عام 1957.... وماهي غير برهة شهور وحسب ، ويسقط الحكم الملكي ، وتتأسس الجمهورية الاولى في الرابع عشر من تموز 1958... واذ بالمضايقات والشجون تبدأ من جديد ، وتتوالى ، ولتصل اى حد اعتقال الجواهري ، وان لساعات ، وليُغرى بشتمه ، وتهدد حياته ، وهو صاحب المنصبين الثقافيين الابرزين في البلاد ، ونعني بهما : رئيس اتحاد الادباء في العراق ، ونقيب صحفييه ... وما كان امامه – كما تقول مذكراته - غير الاحتراز بالرحيل ، منذرا بعواقب الامور ، وغاصاُ بحرقة الجحود ، وخاصة من اولئك " المتفيهقين " الذين لم تنفقئ خجلا عيونهم وهي ترى "وجه الكريم بكف وغد تلطم "... كما ثبت ذلك شعرا ، واضاف فيه :

انا صورة الالم الذبيح اصوغه ، كلماً عن القلب الجريح يترجمُ
ما كان ذنبي غير اني لم اطح ... اذ كل ثبت طائح متهدمُ


وفي المحطة الاولى من زمان الاغتراب القسري التالي عام 1961 يتوقف الجواهري "الهارب" من السلطة الجمهورية ، ليتوقف اياما في بيروت ويلقى تحية الوداع المجللة للوطن واهله ، مخاطبا صديقه الشاعر اللبناني بشارة الخوري:

هل صك سمعك انني من رافدي بلا نصيبِ
في كربة وانا الفتى الممراح فراج الكروب...
... فاتيت لبنانا بجانحتين من ريح غضوب
مثل المسيح الى السماء وقد حملت على صليبى


ومن بيروت ينتقل الجواهري الى براغ ، مغتربه الجديد ذي السبعة اعوام ، لاجئا سياسيا ، مع عقيلته وابنتيه ، هادرا عام 1962 :

من لهم لا يجارى ولاهات حيارى
ولمطوي على الجمر سرارا وجهارا
من لناء عاف اهلا وصحابا وديارا
تخذ الغربة دارا اذ رأى الذل اسارا


ويواصل في مطولة تتجاوز المئة والعشرين بيتا ، توجز الشجون ، وتوصف حال البلاد واهلها ، وتحذر وتنذر ، فيقول :

ياغريب الدار لم تكفل له الاوطان دارا
ليس عارا ان تولي من مسفين فرارا
جافهم كالنسر اذ يأنف ديدانا صغارا


و هكذا تستمر معاناة الوحشة ومشاعر الحنين وقسوة الاغتراب، كما والقلق على مستقبل البلاد والال ، سنوات وعقودا تالية ... وذلك ما سنتابعه في ايقاعات ورؤى جواهرية جديدة.

المزيد في الملف الصوتي المرفق

ألجواهري ... إيقاعات ورؤى
برنامج خاص عن محطات ومواقف فكرية واجتماعية ووطنية في حياة شاعر العراق والعرب الأكبر... مع مقتطفات لبعض قصائده التي تذاع بصوته لأول مرة... وثـّـقـهـا ويعرضها: رواء الجصاني، رئيس مركز ألجواهري الثقافي في براغ... ويخرجها في حلقات أسبوعية ديار بامرني.
XS
SM
MD
LG