روابط للدخول

مفاهيم وموحيات في الحياة والتنوير


ألجواهري بريشة الفنان جواد سليم

ألجواهري بريشة الفنان جواد سليم

ما أن يروح الباحثُ في حياة الجواهري المديدة، أو المتابع لشعره وقصيده العميم، متأملاً في حال هنا، أو شأن هناك، حتى تروح الحالات تترى، والشؤون تتوالى، و لليكاد المعنيّ ان يتوه في ذلك الفيض، ويفقد المحور في ما أراد الاهتمام به من أمر، أو يركز عليه...
ولا يدور الحديث في ايقاعاتنا ورؤانا اليوم عند مناحي الابداع، أو الثراء الفني، أو الغوص في غمار الوقائع التاريخية، بل نحاول أن نلتقط نيرات ونماذج من بين حشود الأبيات الشعرية الجواهرية التي تراوح عند الخمسة والعشرين ألفاً، بحسب ما ندري... ويا لها من مهمة استثنائية، تدفعنا للجوء إلى الزعم بأننا نريد اختياراتٍ معبرة وحسب، موثقة بالتسجيلات الصوتية المتوفرة، وليس بهدف التوثيق الكامل، أو الدراسة الممنهجة... وهكذا دعونا نشير إلى ما نستطيع التوقف عنده في مثل هذه العجالة التي تفرضها دقائق البرنامج المعدودات، ومتطلبات الاخراج الحازمة، والأنيقة في آن...

وبداية الاستشهادات التي نريد، بعد تلكم المقدمة الموجزة كما نرى، أو المستفيضة كما قد يراها آخرون، نتوقف عند بعض موحيات الجواهري في نظرته لسمات الحب الانساني للنصف الآخر، الذي تفرضه الطبيعة البشرية، غير المشوهة، او التي يراد لها ان تكون بمثل ذلك... فكلا الطرفين عارفان بما حوت الثيابُ، وضمت الأزرُ كما قال شاعرنا ذات حين... ولنستمع له موجِزاً عن تلكم الحال:

اني ورب صاغهن كما اشتهى ، هيفاً ، لطافا
وادقهن وما ونى ، واجلهن ، وما احافا
لارى الجنان اذا خلت منهن اولى ان تعافا
لو قيل كيف الحب ، قلت بان تـُداء ولا تشافى


أما ما تبناه الجواهري من مواقف ورؤى في الشموخ والإباء، والتي برحت عنواناً لشخصيته الاستثنائية، فلعل في اختيارنا لبعض ما جاء في مقصورته المدوية عام 1948 ما يلخص ويفيد، وفي ذلك تفرد الشعراء وتميزهم، فما بالكم بمثل ذلكم الشاعر المتفرد بحسب مريديه، وكذلك بحسب من حاول ان يطالَ منه:

بماذا يخوفني الأرذلون ... وممن تخاف صلال الفلا
أيسلب منها نعيم الهجير، ونفح الرمال وبذخ العرا
بلى ان عندي خوف الشجاع وطيش الحليم وموت الردى
متى شئت أنضجت الشواء جلوداً تعاصت فما تشتوى


وبذلك المنحى تتجه فلسفة الجواهري وتتواتر حكمه في اختبارات الحياة، التي ذاق حلوها ومرّها، وخاض "غمارها حرباً سجالا" فرأى فيها ..."معاناة وتضحية ، حب السلامة فيها أرذل السبل"... رائياً في "هتك الرياء مخاضة، فأبى إلا ان يروح مخوضا فيها " كما سجل ذلك شعراً ، مؤكداً وبذات الاتجاه، او قريباً منه في نونيته عام 1955:

يا أم عوف وكاد الحلم يَسلبنا، خير الطباع، وكاد العقل يردينا
خمسون زمت مليئات حقائبها، من التجاريب بعناها بعشرينا
يا أم عوف وما كنا صيارفة في ما نحب، وما كنا مرابينا
لم ندر سوق تجار في عواطفهم، وبائعين موادات ، وشارينا
يا أم عوف ولا تغررك بارقة منا، ولا زائف من قول مطرينا
انا اتيناك من ارضٍ ملائكها ، بالعهر ترجم او ترضي الشياطينا


ومن الاستشهادات الأخرى التي نريد التوقف عندها في ايقاعات ورؤى اليوم، ما له صلة بهذا القدر، أو ذاك، بمفاهيم ومقاييس الجواهري في النوازع الانسانية التبريرية، أو الانتقالات والتغيرات في المواقف، او" التقلبات" بحسب بعض المتشددين، من دعاة الغلو... ولربما ما سجله الشاعر الخالد في قصيدة "قال وقلت" عام 1977 يعطي بعض صور عما يؤمن به من ضرورات وتصورات...

قلت مهلاً يا صاحبي، ظلمات الليل في عين حالم أضواءُ
أرأيت الكواز أنفس ما يملك ذخرا ، طين خبيث وماءُ
صانعا منه ألف شكل ٍ جراراً، قائلاً في جراره ما يشاءُ
يتغنى بـ "كوزه" ... وكان الكوز في الحسن، كوكب وضاءُ
وكذا كل خالق يترضى ما تبنى ، وهكذا الشعراءُ


ختاماً، آمل أن نكون قد استطعنا ان نعرض لبعض مباديء ومسارات ذلكم الجواهري الذي لا يتردد في البوح بما يؤمن به، وما يريد، بهدف التنوير والارتقاء، بعيداً عن المجاراة والتردد متبنياً لمقولته:

خيرُ الشفاعة لي بأني كاشف حرّ الضمير ، وقائل:هذا أنا

المزيد في الملف الصوتي المرفق

ألجواهري ... إيقاعات ورؤى
برنامج خاص عن محطات ومواقف فكرية واجتماعية ووطنية في حياة شاعر العراق والعرب الأكبر... مع مقتطفات لبعض قصائده التي تذاع بصوته لأول مرة... وثـّـقـهـا ويعرضها: رواء الجصاني، رئيس مركز ألجواهري الثقافي في براغ... يخرجها في حلقات أسبوعية ديار بامرني.
www.jawahiri.com
XS
SM
MD
LG