روابط للدخول

مجيد جابر: لولا العسكرية لما أصبحت فناناً


الفنان مجيد جابر

الفنان مجيد جابر

سألت قبل أيام أحد الفنانين العراقيين الكبار عن تقييمه للمستوى الفني الذي عليه الموسيقي، والملحن، والمغني مجيد جابر، فقال: إن أردت أن ترشح أفضل خمسة عازفي عود في العراق فعليك أن تضع إسم مجيد جابر بينهم.

أما في مجال التلحين، فإن إسم مجيد جابر سيكون ضمن أي قائمة تضم أفضل خمسين ملحناً عراقياً. فقلت له: وماذا عن مستواه في الغناء؟ ضحك وقال: أضع مجيد جابر بين أفضل خمسمائة مطرب عراقي. قلت له: هل هذا يعني إن موهبة الرجل تتركز في العزف الموسيقى أكثر من التلحين والغناء؟ فقال: بالضبط، فعازف العود مجيد جابر "حاليا" ليس كما كان قبل عشرين سنة، ولا مثلما كان قبل عشر أو خمس سنوات. فمستواه التكنيكي يتطور بشكل سريع جداً، حتى اصبح اليوم يتقدم على عدد كبير من العازفين الذين سبقوه في التجربة والمران والدراسة.

كان هذا رأي الفنان العراقي الكبير في مستوى مجيد جابر الفني، لكن الغريب في الأمر،أن مجيد جابر دخل ميدان الفن رغماً عنه، إذ لم يكن راغباً في التخصص الموسيقي قط، لدرجة انه أعتبر قبوله في معهد الدراسات النغمية اواسط ثمانينيات القرن العشرين أمراً مفروضاً عليه، أو أشبه بما يقال "مُكرهٌ أخاك لابطل"! إذ لولا العسكرية، ونيران الحرب ـ كما يقول مجيد ـ لما قدَّم أوراقه الى معهد الدراسات النغمية، ولما صار طالباً فيه، ولما اصبح اليوم فناناً معروفاً يغني ويعزف في أكبر القاعات الإحتفالية في مدينة واشنطن، وغيرها من المدن الكبيرة.

والآن دعونا نمضي الى مجيد جابر نفسه، والى ما تحدث به لـ"مو بعيدين" عن مسيرته الفنية، وعن الصعوبات التي واجهته فيها، إذ قال:ولدت في منطقة كمب سارة ببغداد. ومثل أطفال المناطق الشعبية الآخرين، بدأت بلعبة كرة القدم، حتى لعبت لفريق ناشئة الزوراء، الذي كان حلماً لكثير من الفتيان والناشئة في العراق.

وبقيت مستمراً في لعبة الكرة، حتى أخذت جلَّ وقتي، ونظراً لإنشغالي بهذه اللعبة، فقد أنهيت الدراسة المتوسطة بمعدل ضعيف لايسمح لي بالقبول في إكمال الدراسة في أية مدرسة ثانوية ـ حسب نظام الإنسيابية ـ، لذلك فقد حاولتُ أن أكمل الدراسة في عدد من المعاهد الفنية، ومن بينها معهد الفنون الجميلة، لكن مشكلة المعدل وقفت بيني وبين هذه المعاهد، حتى أصبحت الخدمة العسكرية قاب قوسين أو أدنى مني، علماً بأن الحرب العراقية الإيرانية كانت على أشدها آنذاك. والمؤلم أن والدي كان يبكي ليل نهار داعياً الله أن لا أقع في نار هذه الحرب القاتلة، حتى ألتقيت بمدرس الرسم في مدرستي القديمة، وشكوت له الأمر، بعد أن أخبرته بموضوع العسكرية. ولعل من حسن الحظ أن مدرس الرسم كان ينتبه لي أيام الدراسة أكثر من مرة، وأنا أدندن بأغنية ما أو "أدقَّ" بإيقاع غنائي ملفت للسمع، بحيث بات مقتنعاً بموهبتي الفنية ـ رغم موهبتي الكروية ـ وبناء على هذه القناعة، ونظراً لما أنا عليه، فقد أرشدني الى معهد الدراسات النغمية، ولعل أهم ما في هذا المعهد أنه يعتمد على المواهب، وليس على المعدل. فمضيت اليه حالاً وقدمت أوراقي اليه، وكم ذهلت حين وجدت في يوم المقابلة صفوة الموسيقيين في العراق أعضاءً في لجنة الإختبار، بدءاً من الأستاذ منير بشير، والفنان غانم حداد، وليس إنتهاء بالفنان حسين قدوري، وبعد إمتحان عسير نجحت والحمد لله، والمفاجئة أن عدد المقبولين في هذه الإختبارات خمسة عشر طالباً فقط، من بين مئات الطلبة المتقدمين. واليوم أعترف أمامكم بأني قدمت الى معهد الدراسات النغمية، وقبلت فيه، ليس لأني كنت أحب الموسيقى والغناء، بل لأن هذا المعهد أبعدني ست سنوات عن شبح العسكرية وعن نيران الحرب المحرقة، لكني أشعر الآن بالفخر والإعتزاز لأني فنان، ولأن لي جمهوراً واسعاً في أمريكا، وكندا، والمكسيك، فضلاً عن أن زملائي في ذلك المعهد يشكلون اليوم خط الموسيقى والغناء الأول في العراق أمثال الفنان الكبير كاظم الساهر، والفنان محمود أنور، والفنان أحمد نعمة، والعازف الكبير علي حسن، والموسيقار محمد حسين كمر، وغيرهم من نجوم الفن العراقي. ولعل إنخراطي قبل عقدين من الزمن في فرقة "البيارق" الموسيقية هو من الأمور التي أعتز بها كثيراً، فهذه الفرقة تعتبر بحق مفخرة عراقية في الموسيقى والتراث العراقي والعربي.

المزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG