روابط للدخول

حول بعض غزليات الجواهري... وعنها


الجواهري بريشة جبر علوان 1984

الجواهري بريشة جبر علوان 1984


ابتعاداً مؤقتاً عن أجواء السياسة والوطنيات والمواجهات واللواعج، دعونا نحط الركاب اليوم عند قبسات من عوالم الجواهري الغزلية وفي عشق الحياة والجمال، والتي مابرحت ترافقه حتى أعوامه الأخيرة، وهو في التسعينات من العمر...

ومن بين ما يقع تحت أيدينا مما يوثق لهيام الجواهري بجميلات الدنيا، واقعة تتحدث بنفسها عن نفسها في براغ عام 1961 حين طفحت مشاعره اعجاباً بحسناءَ من بنات التشيك صادف أن التقى بها في حافلة نقل عامة، فتصنّع دور المتسائل عن الوقت، ليتقرب منها، فصدته بذات الذكاء المعهود لديهن في مثل تلكم المواقف، ولتدير له ساعتها دون نظرة أو رد ٍ على سؤاله، وفلتت منه خلال الزحام، ولكنه اصطادها قصيدة، ودخلت التاريخ من حيث لا تدري وتلكم خسارتها بالتأكيد، إلا انها أكسبتنا مطولة فيها ما فيها من العبر والموحيات:

حسناء رجلك في الركاب ... ويداك تعبث في الكتاب
وأنا الضميء إلى شرابك، كان من ريقي شرابي
حسناء ساعتك التي دورت كانت من طلابي
حاولت اجعلها الذريعة، لاحتكاكي واقترابي
عبثاً فقد أدركت ما تنوي القشورُ من اللباب
كنت العليمة بابن آوى إذ تملق للغراب


ثم يرفع الجواهري الهائم، راية الاستسلام، معترفاً بفارق العمر بينه، وحسنائه المبتغاة، وليواصل توثيق الحدث، بصراحة الواثق بالنفس والأحاسيس الانسانية، ودون ان يخشى في ذلك لومة لائم صادق، أو خائب، أو من بينهما...

حسناء لم يَعسرْ طلابي ، لو كان ما بك مثلما بي
لكن بك المرحُ اللعوب ِ ، وسحرهُ ، ودم الشباب
وبيّ الذي لا شيء يعدل قبحه إلا التصابي
وخَط ُ المشيب كأنه ، كلاً تهيأ لاحتطاب


ولأن الشيء بالشيء يذكر، نشير هنا إلى اننا تحدثنا في حلقة سابقة من هذه الايقاعات والرؤى عن مزاعم جواهرية أعاب عبرها التغزل والعشق في سبعينات العمر حين راح يقول في ديالوك مع النفس: لجاجك في الحب لا يجمل... وأنت ابن سبعين لو تعقل... تقضى الشباب وودعته، ورحت على لحده تعولُ... ولكنه تخلى على ما نعهدُ ونوثق عن تلكم المزاعم، واستمر هائمًا في الشعر على الأقل – ومن يدري - بجميلات الدنيا، أينما حلّ، ورحل... ولمن يريد دليلاً على ما نقول، ذلكم هو الشاعر الشاعر، يتغزل عام 1973 وبحشود الحسناوات التشيكيات، وجملة هذه المرة، وليس بواحدة منهن فحسب:

جاءت الأسراب تترى مقطعٌ من نشيد الصيف يتلو المقطعا،
وتقاسمن الصبا ميعته ، وشذاه ، والهوى والمتعا
وتخففن فما زدن على ، ما ارتدت حواء إلا اصبعا


وإن كان ما سبق لا يكفي برهاناً، ها نحن نستزيد فنشير إلى داليته المنظومة أوائل الثمانينات الماضية في صبايا وفتيات في ريعان الشباب، شاركن في استعراض ٍ جماهيري حاشد في برلين انتصاراً للسلام والأمن العالميين، فقال فيهن، وعنهن:

أفأنتن للسلام ... من ترى ظلّ للحروبْ
أو زحفاً إلى الأمام ... سلمت تلكم الكعوب
لا تلوحن بالسلاح ... لديكن ما ينوب
ما تهادى على الصدور ، وما ضمت الجيوب
وبما لمّت الرموشُ ، رؤى عالم ٍ تجوب
لا وعينيك لن أتوبَ ، لن أتوبَ ، لن أتوبْ


وهكذا ظلّ الشاعر، وطوال عمره المديد كما أسلفنا القول، يستريح، ويأخذ نفسا بين الحين والآخر، من المواجهات واللواعج وهموم العباقرة الأفذاذ، فيستظل بأفياء من "زنَّ الحياة"... منذ بدء الخليقة وإلى اليوم، بل وكل يوم...

المزيد في الملف الصوتي المرفق

ألجواهري ... إيقاعات ورؤى
برنامج خاص عن محطات ومواقف فكرية واجتماعية ووطنية في حياة شاعر العراق والعرب الأكبر... مع مقتطفات لبعض قصائده التي تذاع بصوته لأول مرة... وثـّـقـهـا ويعرضها: رواء الجصاني، رئيس مركز ألجواهري الثقافي في براغ... يخرجها في حلقات أسبوعية ديار بامرني.
www.jawahiri.com
XS
SM
MD
LG