روابط للدخول

خبر عاجل

كفري: مدينة الطواحين والبساتين التي تفتقد أشجارها، والمقام العراقي!


ضيف الحلقة: الباحث قيس قره داغي

ضمن محاولتنا بالمرور على بعض المدن العراقية التي ساهمت الأحداث والظروف بابعادها عن مركز الاهتمام، حتى أن الكثير من العراقيين لم يتسن لهم زيارة تلك المدن العراقية العزيزة ومنها "كفري" احد أقضية كركوك ، والتي شهدت مراحل متتالية من التاريخ مذ كانت عاصمة لدويلة مستقلة تحمل اسم (كيماش) في العهد البابلي، وحتى نهايات العهد العثماني وتأسيس الدولة العراقية الحديثة وأنجبت في كل العهود رجالاً أفذاذا وشخصيات مهمة تركت في تاريخ العراق اثارها كسياسين ومثقفين وقوادا عسكريين ووزراء ًوفنانين ومع ذلك تشعر "كفري" أنها تكاد تكون منسية اليوم بعد ان أصبحت منذ بداية الخمسينات وبإفتتاح الشارع الجديد الذي يربط بين بغداد وكركوك بعيدة عن التواصل مع شقيقاتها المدن الاخرى بحيث شهدت ناحية طوزخرماتو التي كانت ناحية تابعة لقضاء كفري في ازدهارا واضحا مقارنة بكفري!
ومع تعدد الاحداث والظروف التي قللت من أهمية مدينتنا ضيفة حلقة برنامج " حوارات " كفري فإنها تفخر بكنوز الآثار التي مازالت تحت أديمها تحتفظ بقصص التاريخ، والتي تأخرت عن التقطاها أنامل الآثاريين والمنقبين فوقعت صيد سراق الآثار ومهربيها بحسب ما يشير الباحث قيس قره داغي.

تلاحظ الى اليوم في المدينة وأطرافها أطلال مناجم كبيرة للفحم الحجري توقفت عن العمل منذ نحو خمسة عقود بعد ان سقط الكثير من عمالها امواتا جراء انهيارها لمرات متتالية، خاصة في قرية (ناصالح - 3 كلم شرق كفري)، حيث كان الأتراك العثمانيون يستخرجون الفحم منها واستفادوا منه خلال الحرب العالمية الاولى لتشغيل المكائن والآلات والقاطرات، ويعتقد الأستاذان الآثاريان طه باقر وفؤاد سفر أن كلمة "كفري" متطورة من كلمة (كار) البابلية وتعني الفحم. اما الدكتور مكرم الطالباني (وزير الري الأسبق) والاديب الراحل مصطفى نريمان والاستاذ جمال بابان (مؤلف كتاب اصول اسماء المدن والمواقع العراقية) فيؤكدون ان "كفر" كلمة تطلق على نوع من الأشجار دائمة الخضرة كانت تشكل غابات تغطي المنطقة قديما (لازالت بقايا من هذه الاشجار موجودة في قرية (12 امام - 7 كلم جنوب شرق المدينة) تنمو على ضفة النهر الذي يشق القرية وهي شجيرات طول الواحدة منها مترا واحدا او اكثر بقليل.

كتب شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني في كتابه ( العراق قديما و حديثا): "كفري مدينة تشتهر ببساتينها الغنـّاء ، لكن الإدارة المحلية أهملت إعادة بناء السد الصغير في موقع (قوشه چاپان) فانقطع الوريد الرئيسي الذي كان يغذي عشرات البساتين العامرة في المدينة حتى عام 1963 فأصبحت جميعها مجرد ذكرى لدى الجيل الذي يكاد ينقرض، فالبساتين التي كانت المدينة تشتهر بها ليست اليوم سوى أسماء مجردة في الذاكرة لاشجار وبساتين كانت ترفد ابناء المناطق المجاورة صنوفا مختلفة من الفواكه والحمضيات والتمور ومن أشهر تلك البساتين: بستان الباشا، وبستان القاضي وبستان مملي وبستان حيارة وبساتين حاجي تورشي وعينة بك وحاجي قره وحاجي عثمان وميللت وقوشقونماز ووابراهيم بيك وميري وملا خليل وغيرها.

ويقول ضيف حلقة برنامج حوارات الباحث قيس قرده داغي أنه ولغاية الستينيات من القرن الماضي كان اغلب أهالي مناطق كلار وطوز خورماتو ونواحي بيباز ودربنديخان وسنكاو وقادركرم ونوجول وسرقلعة وقره تبة وجبارة و القرى التابعة لها تقصد هذه المدينة " كفري" للتبضع والتجارة والتطبب ومتابعة المعاملات الرسمية والمالية، ولأجل استيعاب هذا التوافد البشري قام في المدينة العديد من الخانات التي تقوم مقام الفنادق فضلا عن العشرات من المطاعم والمطاحن المائية والهوائية على اطراف المدينة وعلى امتداد النهر ، والتي غدت هي الأخرى أطلالا كرموز المدينة الأخرى، ويورد السيد قره داغي اسماء بعض تلك الطواحين مثل: قره داگيرمان، باش داگيرمان، موسى بك، كوير پسك، قدو، ابراهيم صنع الله، اسطة نوري حسن، خليفة آشوان، احمد ملا واخرى وقد كانت كل هذه الطواحين تدور لإنتاج المزيد من الدقيق تلبية لحاجة السوق العامر في المدينة، التي تكاد تخلو اليوم من معالمها وتصدع سقف سوقها القديم الذي أشتهرت به وبناه بنّاءون مهرة، ومن يلاحظ المباني القديمة يتراءى له خليط مدهش من الطرز العمارية المحلية العراقية الإسلامية والفارسية والتركية والكردية وحتى نماذج من طرز بابلية وساسانية، فهنالك القبب والمنائر والشناشيل والاسواق المسقوفة والطاقات والأقواس، وما زالت وعلى نحو محدود تتداول مصطلحات قديمة في تفاصيل البناء مثل: دنجاغ، سرداب، شوقلت، العتبة، الايوان، بانكويز، سكو، كوشك، ديوه خان...) وجميع المباني في المدينة بنيت بمواد محلية وخاصة الجص والحجر الذي جُلب من مقالع في الجبال التي تطوق "كفري" من جهتها الشمالية والشرقية. وكل هذا الخلط من الطرز يعني ان المدينة كانت متأثرة بالحضارات المختلفة وثقافاتها عن طريق القوافل التجارية التي تقصد المدينة، ولا بد ان نذكر ان الكثير من اؤلئك التجار استقروا في المدينة ومازالت عوائل كثيرة وكبيرة منهم تقطن المدينة بعد ان تزاوجوا مع السكان الأصليين واصبحوا بمرور الزمن من سكان المدينة.

قصة مدينة أخرى من المدن التي تقبع على حافة الذاكرةو المعرفة لكثير من العراقيين، مدينة كفري التي يأخذنا اليها الباحث قيس قره داغي، فلنرافقه، وللمزيد ادعوكم لتشغيل ملف الاستماع.
XS
SM
MD
LG