روابط للدخول

الشباب العراقي واستقلالية السكن بين القبول والرفض


شاب عراقي في المهجر

شاب عراقي في المهجر

تختلف وجهات النظر في العراق حول أمكانية استقلال الشاب أو الشابة بيئيا وسكنيا، فمنهم من يرى بأنها ظاهرة حضارية تساعد الشاب على بناء شخصيته، في حين يرى اخرون بأنها ضياع وتشرد ومخالفة للتقاليد والأعراف.
وتاتي هذه الآراء المتباينة في ظل تأكيد الجهات المختصة على أن الاستقلالية الفردية نظام كوني يشمل المجتمعات البشرية والحيوانات والنبات منذ الأزل.
تقول أميرة طه "أنا شخصيا انتمي إلى فئة الشباب التي تحبذ السكن المستقل عن العائلة الأمر الذي يساعدني على التحرر ومواجهة الحياة إلا ان هذه الرغبة تكاد أن تكون مستحيلة في ظل رفضها ونبذها من قبل العائلة والمجتمع أيضا".
وأوضحت أميرة ان "السكن المنفرد يساهم كثيرا في صقل الشخصية وإنضاجها وتعطيي المرأة مقومات متكاملة، ولو سنحت الفرصة لي لما ترددت في تغيير حياتي ومصيري نحو الاستقلالية والنجاح"، لافتة إلى ان "الكثير من أفكار وطموحات الشباب قد تم إلغاؤها بسبب سطوة العائلة وتحكمهم المطلق في حياة الأبناء".
أما خلدون قاسم ، فلم يبتعد كثيرا عن أميرة لكنه أضاف "ان الاستقلال في السكن لا يعني ترك العائلة أو هجرها بل الدخول الى مرحلة حياتية أخرى تتسم بالنضج والتأسيس الأمر الذي نجح في جميع بلدان العالم المتطورة".

وأضاف "كذلك نجحت تجربة استقلالية الشباب في بعض البلدان العربية وقد ساعدتهم التجربة في شق طريقهم نحو الاعتماد على النفس وبالتالي النجاح".واستدرك قاسم قوله "اما نظرة المجتمع القاسية تجاه الشاب الذي يسكن وحده فهي لا تختلف عن الكثير من المفاهيم التي يعتقد بها المجتمع وينتهجها وكأنها من المسلّمات التي لا تحتاج الى دليل".
ومضى يقول ان "الوضع الأمني والعامل الاقتصادي عاملان مهمان وقفا بالضد تجاه هذه الفكرة التي كان من المؤمل لها ان تنجح بعد الانفتاح الذي شهده العراق بعد عام 2003".
بينما ترى سناء محمد ان موضوع السكن المنفرد بالنسبة للشباب "خط أخر" لا يمكن تجاوزه او الخوض به على اعتبار انه مرفوض من قبلها جملة وتفصيلا.وتضيف "هذه المفاهيم دخيلة على العراق وهي منافية لعادتنا وتقاليدنا وشريعتنا الإسلامية وان انحلال المجتمع يبدأ من الانحلال الأسري وان الانفراد في السكن بالنسبة للشاب أو الشابة ما هو الا بداية للضياع والتشرد بعيد عن الأمان والطمأنينة التي يوفرها الجو العائلي"، مشددة على ان المجتمع "لا يتقبل فكرة سكن الشاب لوحده فكيف بالفتاة؟".
وللوقوف على أبعاد هذه الإشكالية ومدى نجاحها أو فشلها في المجتمع العراقي يقول أستاذ الإخراج وعلم نفس الشخصية في كلية الفنون الجميلة الدكتور طارق العذاري "من وجهة نظر علم النفس هناك غرائز تحكم سلوك الإنسان واختياراته ومن تلك الغرائز هي حب الاستقلال والتطلع نحو التفرد وبناء الشخصية بمعزل عن المؤثرات الخارجية".
وأوضح العذاري ان "رغبة الشاب في السكن الانفرادي هو جزء من الدفاع عن الكينونة ليشعر بأنه يضع منهجه الخاص لتكوين الخلية الصغرى المتمثلة بالأسرة".
واضاف العذاري "هذه الاستقلالية ضمن وحدات المجتمع الكبرى يجب ان تهيئ لها جميع مستلزمات النجاح لعدم السقوط في الفوضى والتردي والإجهاد وبالتالي ينسلخ الشاب عن برنامجه الحقيقي لبناء مجتمعه الصغير".

وزاد "الاستقلالية الفردية سواء كانت بيئية أو سكنية مطلوبة وضرورية وهي من حق كل إنسان وتأتي أهميتها مما يترتب عليها من استقلال في التفكير وبناء الشخصية الفكرية وتحديد العلاقات الاجتماعية بعيدا عن سيطرة عقيدة الأسرة التي ترتبط فكريا واجتماعيا ودينيا بعقيدة الأب والأم".
وتابع العذاري "لو نظرنا نظرة موضوعية لوجدنا أن الاستقلالية نظام كوني شامل آمنت به الطبيعة والعوالم الأخرى قبل البشر والأمثلة كثيرة في هذا المجال أبرزها مثال النخلة والفسيلة التي تصل الى مرحلة معينة من النضج لتبحث عن ارض اخرى تؤهلها للاستمرار في الحياة والعطاء، وكذلك أعشاش الطيور التي بالكاد أن تطير حتى تبحث عن مكان آخر لبناء عشها المستقل".
وقال ان "الشباب والشابات في العراق نجحوا في خوض هذه التجربة خارج العراق الأمر الذي جعلهم يواجهون الحياة وينجحون بشكل فردي وهذا دليل حي على ان التجربة ناجحة ولكن عدم نجاحا في بلادنا خاضع لنظرة غالبية المجتمع التي ترفض هذه الفكرة جملة وتفصيلا".
XS
SM
MD
LG