روابط للدخول

رغم ظهور كثير من الصحف الهزلية في العراق ، فإن الكثير من اصحابها و كتابها عانوا الكثير من المصاعب و ضيق العيش

لم تكن هناك اي صحافة فكاهية في العراق عندما تأسست المملكة العراقية في العشرينات . جرت محاولات بدائية لسد هذه الثغرة و مجاراة الصحف الهزلية و الساخرة التي اعتزت بها مصر و لبنان. انبى لهذه المهمة شخصان لامعان هما الملا عبود الكرخي صاحب جريدة الكرخ و نوري ثابت . بيد ان عبود الكرخي حصر همه في نظم الشعر الشعبي في اطار الهجاء و النقد السياسي و الاجتماعي.
التحول الحقيقي في غزو ميدان الصحافة الساخرة قام به ذلك الكاتب الصحافي البارع و رائد الصحافة الفكاهية في العراق ، السيد نوري ثابت ، او كما عرف في دنيا السخرية و الفكاهة بلقب حبزبوز. عاش نوري ثابت حياة متنوعة فقد كان ضابطا في الجيش العثماني و حارب في الحرب العالمية الأولى و قاتل في معركة جنه قلعة الشهيرة و جرح في رجله و عاد الى بغداد. اشتغل معلما في المدرسة الجعفرية . وهذه نقطة الفت النظر اليها بالنسبة للعراق فالمدرسة الجعفرية مدرسة شيعية و نوري ثابت سني. استخدمت فيما بعد مدرسين نصارى... نصارى يعلمون مسلمي العراق على دينهم! عن طريق المدرسة الجعفرية ، اكتشف حبزبوز الفن المسرحي فأصبح ممثلا. و اخيرا اهتدى الى الفكاهة عن طريق قرائته للصحيفة الشعبية " الكرخ" لعبود الكرخي. اوحى له ذلك بأصدار صحيفة مكرسة كليا للسخرية و الهزل بأسم " حبزبوز".
عاش و مات يرحمه الله في فقر و عوز مستمر دون ان يطأطأ رأسه للسلطة. و لابد ان لاحظ ما كان يفعله مرتزقة الثقافة فكتب يقول فيهم ، و ما اجدر ما قال بحق مثقفي جيلنا هذا :
ايه ، ايتها الوطنية! كم بأسمك انتفخت جيوب الشعراء، و تبجحت جيوب الأدباء ، و صدحت بخلاف ما تضمر به السنة الخطباء ، و صفقت لمن لا تدري ايدي البلهاء ، و تطاولت بدافع الفلوس اقلام الجبناء."
سخر في مقالة اخرى من الأدعاء بالثقافة و استعمال هذه الصفة التي اصبحت في هذه الأيام صفة " المثقفين". قال كيف نستطيع ان نميزهم و نعرف ان الرجل مثقف، واحد من المثقفين؟ اقترح لمنع الألتباس أن تصدر الدولة طوابع خاصة تلصق على جبين المثقف ، على ان تقوم مديرية المطبوعات في وزارة الداخلية بتصديق الطابع بوضع ختمها الرسمي عليه مع التاريخ و توقيع المدير. و عندئذ نستطيع ان نرى هذا الطابع على جبين الرجل فنعرف ان هذا الرجل الذي امامنا : " مثقف".
سأله احد القراء عما يتمنى أن يكون وقد اقترب موسم الربيع ، موسم الخيرات ، فأجابه بمقالة اخرى ساخرة فقال انه يتمنى أن يصبح حمارا. " حرا طليقا غير مقيد برشمة ولا بلجام ، و الأهم من ذلك ان يكون غير مقيد بقيود العقل و التفكير." فأذا ما قررت الحكومة عقد معاهدة جائرة او شكلت مجلسا زائفا يغط نوابه بالنوم و يتثائبون عند سماع خطبها في المجلس، فأنه سيستطيع بملأ حريته كحمار أن يرفع ذيله و يشمخ برأسه و يكشر عن انيابه ناهقا و يركض معنفصا ... ضاحكا من حقوق المهضوم و المظلوم.
مما تميز به حبزبوز عن معظم مثقفي ايامنا الكالحة هذه التي يعاملون فيها المرأة كلعبة في ايديهم ، تماما كما يعاملون اوطانهم و شعوبهم، انسانيته المفعمة. كانت له علاقة عاطفية و جنسية مع امرأة ، ثم اكتشف انها اصيبت بالسل الرئوي الذي كان يثير الرعب في نفوس الجميع. نصحه الأطباء بالأبتعاد عنها و تحاشي انتقال المرض المميت اليه. بدلا من اتباع نصيحتهم و نفض يديه عنها كما كان يفعل الكثيرون ، سارع الى خطبتها و الزواج بها فورا. كرس وقته و دخله القليل للعناية بها ، فلم تمض غير اسابيع قليلة حتى انتقل المرض اليه و لم يكن قد تجاوز الأربعين من عمره . ما أن توفيت تلك المرأة حتى تبعها هو الى عالم البقاء بعد اشهر قليلة . لم يكن واحدا من شهداء الحب فقط ، بل وواحدا من شهداء الأنسانية. دفنوه في جامع بني سعيد تحت شاهد يقول: " هنا مرقد الكاتب الهزلي الشهير الوطني المرحوم الحاج نوري ثابت صاحب جريدة حبزبوز."
و بموته ماتت صحيفته الساخرة . و ما احوج العراق اليوم لمن مثله.

ألمزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG