روابط للدخول

( لكل مدينة مطاعمها مثلما تكون لكل مدينة اطعمتها و نكهتها. و تميزت كل هذه المطاعم بتقاليدها الشعبية و ايضا حكاياتها و فولكلورها. و كذا كان الحال في مطاعم بغداد و بقية المدن العراقية)

لم اجد مهنة او حرفة تشعبت و تعددت اوصافها و اسماؤها كمهنة من يخدمنا في المطاعم او الحانات . نسميه احيانا بالسفرجي بعد ان اخذناها من اللغة التركية ، و من الانكليزية تعلمنا ان نطاق عليه كلمة بوي، و من تأثر بالثقافة الفرنسية ، ينادي عليه بكلمة جرسون. و ابدع الاساتذة الفحول في اللغة العربية فاشتقوا لنا كلمة نادل. استعملها عندما اكتب للجرائد و المجلات. و لكنني اعتياديا ، اعتدت على ان اناديه فأقول " يا ولد" . و لكن كل هذه الكلمات لم تعد صحيحة او عملية في الواقع بعد ان اصبحت الأناث يقمن غالبا بالخدمة في الفنادق والمطاعم الراقية.
العلاقة بين النادل و الزبون في المطاعم علاقة متوترة دائما. الزبون يكره باطنيا زبائنه فخدمته لهم تنطوي على شيء من المذلة و الشعور بالنقص. عليه ان ينفذ اوامرهم مهما صعبت و يتحمل انتقاداتهم و اهاناتهم بأدب و احترام. القاعدة التجارية تقول الزبون دائما على حق. والزبائن من ناحيتهم ايضا يشعرون بالنقص تجاه النادل فهو الذي يعرف اكثر مما يعرفون عن الأكل و الشرب واصوله و آدابه. و تتوقف وليمتهم على حسن ذوقه و خدمته ، اي ذوق الخادم او النادل. غالبا ما نسأله " شلون كبابكم اليوم ، زين؟ او شعندكم اليوم طبيخ طيب، و هكذا.
و لكن كثيرا ما يجد النادل وسيلة ماكرة للنيل والانتقام من زبائنه في حدود الأدب و الخدمة. كانت بعض المطاعم في بغداد تحمل لوحة على بابها تقول (خاص بالمسلمين). اعطى ذلك النادل فرصة النيل من اي زبون لا يعجبهم. " آسف افندي. هذا محل خاص للأسلام. ما يجوز ليهودي مثلك ياكل فيه. تفضل اطلع." و عندئذ يقتضي على المسكين ان يثبت انه مسلم قبل ان يستطيع الدخول الجلوس في المطعم و يأكل ماعون باميا فيه. اختفت هذه اللوحة بتنور الجمهور و نمو الوعي و الامتناع عن التمييز الديني او العنصري. ولكن اذا استمرت هذه الرجعة الحالية المؤسفة، فلربما نجد عن قريب مطعما يقول" مطعم الشهيد –خاص بالشيعة." و آخر يقول " مطعم عمر-خاص بالسنة." و يعطي كلاهما اكلا مجانيا للمليشيات لحمايتهما.
كان المعتاد عندنا في بغداد ان ينادي النادل بأعلى صوته في طلب الوجبة. تسمعه يصرخ " واحد بيتنجان و اثنين كباب و طرشي للشباب هنا." اعطاهم ذلك خير وسيلة لتحقير اي زبون لا يعطيهم بخشيش. كان هناك نادل في مطعم كباب سليمانية في الحيدرخانة يبهذل اي افندي عندما يصرخ قائلا للطباخ: نص ماعون كباب للأفندي هنا بدون سجينة و جطل."
سأل النادل احد زبائنه عما يريد فأجابه: " خليني افكر دقيقة". عاد اليه بعد دقائق فأجابه " تمن و شجر رجاء." فنادى النادل بأعلى صوته " الاستاذ هنا بعد التفكير شجر!" و الشجر كما نعرف يرمز الى الغباء و السذاجة و البلادة عند العراقيين.

كانت المطاعم الشعبية في منطقة الميدان و جسر المأمون مزدانه برسوم جدارية ، منظر دجلة ، جسرمود، صورة بطة او حمار او حصان و غير ذلك من الحيوانات حسب مزاج صاحب المطعم و ذوقه. و قدر لهذه المناظر ان تصبح نقاطا مناسبة لتحديد مكان الزبون في المطعم. ينادي النادل على الطباخ : " ماعون كباب للأفندي جوه الجسر." او " باقلا و صمونة للحصان الأبيض او الحصان الأسود " ، او البطة او الغزالة ، وهلمجرا. وهكذا اصبح علينا وعلى كل الزبائن ان نتحاشا المناظر المشينة و نجلس بعيدا عنها كما لو كان المنظر مثلا لحمار يأكل طعامه في المعلف.
للخدم ايضا براعتهم في حسن المخلص. احتج احد الزبائن على قطعة الستيك التي وجدها صلبة و قوية جدا عجزت عن قطعها و مضغها اسنانه. فنادى على النادل و قال: شنو هذي؟ ادوس بالسجينة بكل حيلي و ما اقدر اقصها!" فابتسم النادل و نادى على زميله الآخر: " يا محمد، جيب سجينة حادة زين للاستاذ جوه البطة. سجينة للماعندهم سنون"
بيد ان زبونا آخر عالج هذا الموضوع بلوذعية احسن. نادى على النادل في مطعم شمس بشارع الرشيد وقال له : "اسمع هنا يا ولد. اذا كنت اريد آكل ستيكاية قوية مثل الحجر ، عندي في البيت مرتي تسويها!"
XS
SM
MD
LG