روابط للدخول

ابو فرات ، محمد مهدي الجواهري ، رحمه الله ، من الشعراء الذين تزدحم حياتهم و اشعارهم بالتناقضات. انه رجل ضخم و احتوت ضخامته على التناقضات فيما احتوت عليه. كان شيخا يدرس الفقه و الشريعة و علوم الاسلام في مدينته النجف الأشرف. و لكن هذه المدينة الدينية و المرجعية كثيرا ما جادت على العراق بل و الأمة العربية عموما بالكثير من الشعراء و الكتاب و المفكرين الذين تميزوا بروحهم التقدمية و ميولهم اليسارية و الثورية. و رغم كل ما مر به الجواهري من تقلبات و تناقضات فكرية و سياسية ، طالما انتقده عليها البعض فإنه قلما حاد عن ايمانه بحرية الفكر و السعي للتحرر و الالتزام بالخط التقدمي الذي رسمه لنفسه وهو السعي للتطوير و التجديد و العصرنة و بصورة خاصة تحرر المرأة و مساواتها.
تجلى ذلك حتى في قصيدته التي دافع فيها عن المني جوب( التنورة القصيرة) و حق الفتيات في لبسها. و كان قد اتخذ هذا الموقف منذ ايامه الاولى عندما اشتغل موظفا صغيرا في البلاط الملكي. قررت وزارة المعارف عام 1929 فتح اول مدرسة للبنات في مدينة النجف الاشرف. و شن رجال الدين حملة ضارية هناك قادها الشيخ كاظم اليزدي لمنع الوزارة من تعليم البنات. وهو موضوع طالما سعى اليه المتشدون و المتطرفون في سائر انحاء العالم الاسلامي. تصدى لهم ابو فرات بقصيدة طويلة نشرها بعنوان " الرجعيون" :

ستبقى طويلا هذه الازمات
اذا لم تقصر عمرها الصدمات


و تساءل القاريء و ما هي الصدمات التي يقصدها الشاعر؟ لم يمض القراء بقراءة ابيات قليلة اخرى حتى اصطدموا ببيت يسوق فيه الجواهري افضع الكلمات و اخس الصفات بحق مشايخ المدينة ، و مشايخ العراق عموما، كما وجدهم في عصره. ما ان نشرت جريدة " العراق" القصيدة حتى ثارت ثائرة القوم ضد الصحيفة و صاحبها و شاعرها. و ما انا بمن يهوى الآن ايقاع هذه الاذاعة صوت العراق الحر، بمثل تلك الزوبعة التي وقعت بها صحيفة " العراق"، شبه الرسمية، في اعادة نشر ذلك البيت المقذع. ازداد الطين بلة عندما تصور القوم ان الملك فيصل الاول رحمه الله الذي كان حريصا على اشاعة التعليم بين البنات، قد حث الشاعر سرا على كتابة تلك القصيدة و نشرها، ولاسيما انه كان موظفا صغيرا عنده في البلاط.
اضطر الملك الى استدعاء ، الشاعر الشاب، محمد مهدي الجواهري و تأنيبه على سوء فعلته تحديه لرجال الدين. فقد تجاوز حده و حدود حريته في نشر تلك القصيدة و هو موظف في البلاط الملكي و يعمل بصورة مباشرة مع الملك. اعتذر له الجواهري عما فعل و قدم استقالته من وظيفته حرصا على سمعة البلاط و عدم احراج صحب الجلالة . بيد ان الملك فيصل رفض استقالته و تركه حيث كان في منصبه. بيد ان العلاقة بين الملك الحكيم و موظفه الشاب الصغير ظلت متعكرة حتى انهى الشاعر علاقته الرسمية بالبلاط ليتفرغ للصحافة و لرسالته التقدمية. و كان ان بادر الى نشر قصيدة عاطفية بث فيها لواعج شجونه و عبر فيها عن موقفه التحرري المتواصل ، المتأرجح بين حب العراق الى حد الهيام به ، و الغضب عليه و على مساوئه لحد الكره له ، فقال:

سكت حتى شكتني غر اشعاري
و اليوم أنطق حرا غير مهذار
وقعت انشودتي و الحزن يملأها
مهابة ، و نياط القلب اوتاري
في ذمة الشعر ما القى و اعظمه
اني اغني لأصنام و احجار
لو في يدي لحبست الغيث عن وطن
مستسلم وقطعت السلسل الجاري
العذر يا وطنا اغليت قيمته
عن ان يُرى سلعة للبائع الشاري
الكل لا هون عن شكوى و موجدة
بما لهم من لبانات و اوطار
و كيف يسمع صوت الحق في بلد
للأفك و الزور فيه الف مزمار


ولا شك انها كانت غضبة ثائرة على التمسك بقيم عفى عليها الزمن و وقفت كعقبة امام تحرر العراق و تقدمه و لحاقه بالعصر الحديث ، وهو ما يتمناه كل عراقي اليوم. رحمك الله يا ابا فرات ، و يرحم ايامك الحلوة ، ايام التحرر و التطور و التنور، ايام الخير اللي فاتت و التي يتطلع اليها الجميع اليها الآن.
XS
SM
MD
LG