روابط للدخول

طالما استمتع الشعب العراقي في العهد الملكي بالتلفزيون العراقي الذي جعل العراق اول دولة عربية تدخل البث التلفزيوني للجمهور. وكان من برامج تلفزيون بغداد برنامج " العراق في انتقال" الذي حرص على اطلاع المشاهدين على آخر تطورات التقدم الحضاري الذي سجلته البلاد.

خروج العراق من الحرب العظمى و الحكم العثماني ثم قيام الحكم الوطني ادخل البلاد في مرحلة الأنتقال الحضاري. مات الكثير من الحرف القديمة و ظهر الكثير من مظاهر الحضارة المعاصة المتطورة. و لكن ذلك لم يحدث طبعا بدون مقاومة و صعوبات و شكوك و تردد. لا يستطيع المؤرخ و هو يروي تحول المجتمع العراقي دون ان تتردد على لسانه عبارة " لأول مرة". كانت ايام خير ، وفي ايام الخير يسعد الأنسان بالكثير مما هو جديد. مثله في ذلك مثل الأطفال الذين يلبسون ثيابهم الجديدة لأول مرة في يوم العيد. من ذلك نقول انه لأول مرة ، شهد العراقيون قالب الثلج الذي كان الباعة يقطعونه و يبيعونه للناس بقطع صغيرة الواحدة بفلس. قولوا خير. قولوا أيام خير. بفلس! بفلس ربع ثلج بفلس. كانوا يشترونه و يضعونه في الحب او التنكة. و لكنهم سرعان ما اعتبروا ذك تأخرا و شيئا بدائيا. اخذوا يستعملون صندوق الثلج الخشبي المعزول و المغلف من الداخل بالصفيح. يضعون فيه الأكل و الشرب و قناني الماء و الشربت بجوار قطعة الثلج الملفوفة بالكونية التي تبرد كل شيء داخل الصندوق.
و كان دخول الثلج نعمة من الله للسقاة، جمع سقة. الذين كانوا يكسبون عيشهم من بيع الماء لأصحاب البيوت. وهي مهنة قضت عليها اقامة اسالة الماء التي جهزت البيوت بالماء الصافي المعقم بدلا من ماء النهر الملوث. ثار عليها السقاة و راحوا يبثون شتى الإشاعات عنها ، ومن ذلك ان ماء الأنابيب يضعف الجسم و يقضي على رجولة الرجال. لم يعبأ الجمهور بإشاعاتهم و اصبح الماء الصافي المعقم متوفرا في كل بيت. بيد ان الله عز و جل رؤوف بالعباد . و اذا اغلق بابا فتح بدلا منها عشرة ابواب. بدلا من بيع الماء للبيوت اخذ هؤلاء الناس يبيعون لهم الثلج. ربع قالب ثلج لكل بيت. و كله بفلس.
بعد ايام قليلة اصبح ذلك مظهرا من مظاهر التأخر و الفقر. لقد حلت محله الثلاجة الكهربائية التي اغنت اصحابها عن شراء الثلج. و يقال ان اول من ادخل الثلاجة في بيته كان السيد الحاج عبد الرزاق الدوري عام 1936 . و لكن الكهرباء اللازم للثلاجة كان هو الآخر بدعة صعبة جديدة. فقد راح صناع اللمبات ، او من كانوا يسمونهم باللمبجية، يحذرون الناس من استعمال الكهرباء . قالوا انه يسبب حرائق في البيوت ، و من يمسه يموت في الحال. و ما هي الا ايام قليلة حتى تخرب مكائن الكهرباء و يبقى الناس بدون نور. و لكن العراقيين قوم متعطشون للتجديد و التطور فلم يلتفتوا لنذر الشر . فأنار الكهرباء سائر البيوت و الطرقات و اغلق اللمبجية دكاكينهم و تحولوا الى حرف أخرى. بدلا من فئة اللمبجية ظهرت فئة عمال الكهرباء.
اذا كان الكهرباء قد انتشر بسرعة ، فإن تلك الشعبية لم تصاحب دخول التلفون. اضطرت الدولة الى تشجيعه بمنحه مجانا لكثير من موظفيها. و كان اول من تلقى مثل هذه الهدية هاشم العلوي، مدير الشرطة العام. زودوه بالتلفون على اساس انه ضروري لمهنته كمسؤول عن الشرطة. ثم راحت الشركة تعطي مكافأة 750 فلسا لكل من يأتيها بمشترك جديد. و يظهر ان ذلك ساعدها في تعميم التلفون. عندما اطل عام 1930، كان هناك في بغداد، 1100 تلفون.
غير ان التطور الرهيب كان في ميدان المواصلات ، حيث اخذت السيارات و اللوريات و البواخر و الماطورات تحل محل العرباين و الحمير و الجمال. و الطريف في هذا الأمر ان اليهود الذين اتصفوا اعتياديا بالحصافة و اللوذعية التجارية، فشلوا في توقعاتهم هنا. اعتقدوا ان التجار سرعان ما سيعودون الى الإعتماد على الإبل في نقل بضائعهم. فراحوا يشترون الجمال من اصحابها على امل ان يعود الطلب عليها فيبيعونها بأسعار عالية و يحققون ارباحا جيدة لأنفسهم. بالطبع لم يتحقق ذلك، و بقيت الجمال عالة عليهم تقتضي منهم إطعامها و حراستها فتحملوا خسائر كبيرة جريا وراء ذلك الوهم التجاري. و من حينها شاع المثل بين الجمهور فقيل " امل اليهود بالأباعر". كناية عن الجري وراء اضغاث الأحلام.
لم يعد البعير فقط في ذمة التاريخ. بل اصبحت حتى البواخر النهرية ، بل و السيارات نفسها في ذمة التاريخ بعد ان دخل النقل الجوي في البلاد. حقا قالوا و صدقوا فيما قالوا " العراق في انتقال".

ألمزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG