روابط للدخول

كثيرا ما وصف المراقبون و المعلقون الاجانب الجمهورية العراقية كقطعة من الموزائيك. تألفت الوانه و اشكاله من الطوائف الدينية و المجموعات القومية و الاثنية. يرى المتشائمون ان ذلك ما يربك حياته السياسية و الدينية. و لكن الآخرين يرون ان جمال و روعة الموزائيك تتجلى في هذا التركيب من الالوان و الاشكال

في هذه الايام التي اخذت فيها الطائفية تبرز انيابها في العراق ، علينا ان نتذكر ان هذا البلد كان آخر من يترشح للمنازعات الدينية و الطائفية . هذا ما كتبته قبل سنوات عندما قلت ان الحرب الاهلية لن تجد لها مكانا بين العراقيين. فرغم كل ما عندهم من تعدد في المذاهب و القوميات، فإنهم لم يتركوا أي فرصة لهذه الفروق ان تسمم علاقاتهم. الاكراد سكنوا بين العرب و العرب سكنوا بين الاكراد و التركمان ، السني يتزوج شيعية و الشيعي يتزوج بسنية. الحنفي لا ينزعج اذا رأى زوجته الجعفرية تربي اولاده كجعفرية و الجعفري لا يثور اذا رأى اولاده ينشأون كسنة. و هكذا كانوا يتداعبون وينكتون على بعضهم البعض و لكنهم لم يسمحوا لهذه الفوارق ان تتحول الى معارك و مجازر.

إن مما ينساه الكثيرون ان بغداد كانت عاصمة الامبراطورية الاسلامية لعدة قرون، تلك الامبراطورية التي ضمت شتى الطوائف و القوميات. و كعاصمة لهم جميعا، كان عليها ان تظهرمن التسامح و روح التعايش ما تقتضيه هذه الامبراطورية الواسعة و تجعل كل واحد من ابنائها يشعر بانتمائه اليها ويدعو بالخير لرئيسها الخليفة العباسي امير المؤمنين. ورث العراقيون هذه الروح. و بعد ان اقيمت المملكة العراقية في العصر الحديث اخذ الجميع يسعون الى تعميق هذه الروح السمحة و ازالة ما بقي من حزازات التفرقة.و هكذا تولى رجال من ابناء الشيعة كمحمد الصدر و صالح جبر و محمد فاضل الجمالي رآسة الحكومة و أأتمر بهم وزراؤهم السنة، و تولى رجال من اهل السنة كنوري السعيد و جميل المدفعي وياسين الهاشمي رآسة الحكومة دون ان يجد وزراؤهم الشيعة كصادق البصام و صالح جبر أي ضير في تنفيذ اوامرهم .هكذا كان الحال في ايام الخير.

بعين الوقت كان الكثير من ابناء السنة يمثلون منطقة شيعية في مجلس النواب، او اشخاص من ابناء الشيعة يمثلون منطقة اكثريتها من ابناء السنة. بل و كان كثير من المسلمين يجدون نائبا مسيحيا او يهوديا يمثلهم في البرلمان. مثلما كان المسيحيون و اليهود يجدون سياسيا مسلما يمثلهم عن منطقتهم. كانت كما قلنا ، و قولوا معنا ، ايام خير و قلما اعار الناس هذه الفوارق اهمية في حياتهم العامة.

من امثلة ذلكان الشيخ محروث الهذال ، شيخ مشايخ عشيرة العنزة، كان يمثل مدينة كربلاء في مجلس النواب. و المعروف ان عشيرة العنزة الضاربة الارجاء و الممتدة عميقا في صحاري نجد في المملكة العربية السعودية كانت من القبائل السنية القحة. كثيرا ما كانت سيارته البيوك تختال بين العاصمة العراقية و مدينة كربلاء و تحمل رقم اللواء على لوحتها التي لا تنسى " واحد كربلاء".

لم يعبأ احد فيما اذا كان الشيخ ابن هذال سنيا او شيعيا. يكفي انه كان مسلما يؤمن بالله و رسوله، و خلص. الحقيقة هي انه كان من الآداب الحميدة في المجتمع العراقي الا يسأل الانسان صاحبه عن مذهبه. كنا نعتبر ذلك عيبا و سوء ادب. و لكن مع ذلك ، فقد التفت صادق البصام ، الذي كان يشغل منصبا وزاريا عندئذ الى ظاهرة تولي رجل من قبيلة عنزة السنية تمثيل لواء كربلاء في المجلس.انتهزفرصة زيارة الشيخ لمكتبه في مسألة تتعلق بأحوال مدينة كربلاء فسأله قائلا، " شيخنا اريد اسألك هالسوآل البسيط ، اذا ما عندك مانع. حضرتك شيخ العنيزيين ، و لكنك تمثل مدينة كربلاء. قل لي شيخنا ، انت حقيقة سني او شيعي؟"

نظر اليه الشيخ محروث الهذال ثم لوح بيده و قال:" يا خسا الأثنين و يعيش الله." أي يخسأ من ينظر من الزاويتين الطائفيتين و الحق للأسلام و الله وحده. و كان جوابا حكيما جديرا بمن يترأس قبيلة عتيدة الشأن و التاريخ و المكانة. و ما احوجنا الآن لمثلها من الحكمة و سعة الصدر.

و كان الشيخ ابن هذال واحدا من اهل الخير في تلك الايام التي اجتمعت فيها كلمة العراقيين على خير العراق و تقدمه. راح الشيخ محروث الهذال ، وراح صادق البصام و راحت ، يا وسفة ، ايامهم ، ايام الخير اللي فاتت وياهم ، ويا كل اهل الخير.
XS
SM
MD
LG