روابط للدخول

كانت كلية الحقوق من اقدم المؤسسات الجامعية التي تأسست في العراق في عهد الانتداب ثم توسعت عبر السنين الى ما هي عليه الآن. بالطبع ساهمت في اعداد اجيال من رجال القانون و القضاء في العراق و لكن كان لها ايضا دورها المهم في الحياة السياسية للعراق . و ما من شخص يحدثنا عن هذا الدور كمحدثنا الكاتب خالد القشطيني الذي كان تلميذا فيها و عاش تلك الاحداث كشاهد عيان لها


كان الأستاذ منير القاضي من الشخصيات المعروفة في عالم القانون في العراق فقد تولى عمادة كلية الحقوق لسنين طويلة. و تخرج على يديه الكثير من القضاة و المحامين و المشرعين. و كنت واحدا من طلابه. و كان بالأضافة لمنصبه كعميد يتولى تدريس مادة المجلة ثم القانون المدني بعد حلوله محل المجلة الموروثة من العهد العثماني. بيد ان قليلا من الناس يعرفون شيئا عن اريحيته و روحه الفكهة. و له مع الطلبة مواقف مشهودة في ظرافتها. بيد ان طلبة الكلية كانوا ينظرون اليه كعمود من اعمدة الرجعية و النفوذ البريطاني، ولا سيما بسبب صداقته الحميمة مع نوري السعيد.
كانت كلية الحقوق بؤرة للمظاهرات و الأ ضرابات و النشاط المعارض للحكومة. فعلوا مثل ذلك عندما شرعت حكومة صالح جبر بتمرير معاهدة بورتسموث، او معاهدة الصداقة العراقية البريطانية سنة 1948. تجمهر الطلبة امام الكلية و امتنعوا عن دخول الدروس. فخرج منير القاضي رحمه الله على شرفة البناية – البالقون – ليلقي عليهم كلمة يحثهم فيها على العودة الى صفوفهم و التخلي عن الأضراب. فراحوا يهتفون ضده " يسقط منير القاضي" عميل الأستعمار"! لم يجب عليهم وتركهم يواصلونم هتافهم و صراخهم حتى ملوا من الكلام و الصياح فخلدوا الى السكوت. و عندئذ فتح الأستاذ الجليل فمه و قال لهم : " ها! اشو ما سقطت! بعدني عالبالقون!"
انفجر الطلبة بالضحك ، فانبرى تلميذ ظريف و رد على النكتة بالنكتة فصاح قائلا : " يعيش منير القاضي!" فجاء دور العميد ليسترسل بالضحك.
من الصفوف الطريفة في الكلية كان ما يسمى بصف القاعة، وهو قاعة تمثيل و اجتماعات حولوها الى قاعة درس لتستوعب نحو 300 تلميذ. وهو شيء غريب و نادر في عالم الحياة الجامعية، ان يلقي الاستاذ دروسه على 300 تلميذ، و لاعجب ان كان الكثير منا يخلد لنوم رغيد خلال الدرس. اضطروا الى وضع مكرفون يتحدث منه الأستاذ المحاضر ليستطيع بقية الطلبة سماع الدرس. اصبح صف القاعة مثارا لكثير من التقليعات و التهكم. و تضايق منه منير القاضي كثيرا. نظر الى الطلبة يوما في كثير من التبرم و قال: " هذا هو صف كلية حقوق؟ شيلوا هذا الحايط الجانبي يتحول الى مقهى. شيلوا هذا الحايط الخلفي يتحول الى كراج للسيارات. شيلوا السقف يتحول الى زريبة للحيوانات، وانتم في وسطها. ضج التلامذة بالضحك و الأحتجاج على مساواتهم بالحيوانات.

و اخيرا تقاعد الأستاذ الجليل عن العمادة، و قد بلغ من السن عتيا. و لكن تفكيره الثاقب بقي محافظا على حيويته. و كذا الحال مع ظرفه الذي لم يفارقه. ذهب يوما لزيارة صديقه المرحوم نصرت الفارسي، فسأله هذا عن رأيه في بناية جديدة شيدت في بغداد. و اصبحت قذى في نفوس الناظرين لقبحها. قال له هل رأيتها؟ و ما رأيك فيها؟ فأجابه منير القاضي ، لا و الله ما شفتها. امر من يمها كل يوم بالسيارة لكن ما شفتها. لأن بهالعمر ضروري نقتصد شوية بالنظر. و نحافظ على هاللي بقى من بصرنا. لا عجب ان يقتصد في النظر و المعاينة. كان يتفأفأ في كلامه، خرج من مكتبه فلاحظ الطلبة متجمهرين في الساحة فسألهم قائلا: " هههههاي لللليش طططالعين؟" فأجابه الطلبة بأنهم اضربوا عن الدرس احتجاجا على سياسة الحكومة و معاهدة ورتسموث. فعاد و سألهم : " بس أأأأريد افهم شششششنو تريدوه؟" فقالوا الأستقلال التام. افتر فمه عن ابتسامته الساخرة المعهودة، و قال : " الأستقلال؟ أأأأنتو كلكم أأأستقلال . صفكم دولة مستقلة! كل واحد منكم دولة مستقلة. و تعيشون و تتصرفون بكل استقلال. و لا كأنه احنا النا وجود. "
اخيرا الغي قانون المجلة العثماني و حل محله القانون المدني الجديد. كرس الأستاذ الجليل وقته لشرح المادة الجديدة و اصدر كتابه الرائع " ملتقي البحرين." و البحران هنا هو بحر الشريعة الأسلامية و بحر الشريعة الغربية اللاتينية التي ذابت فيها. و تمخضت عن القانون الجديد.
كان الأستاذ منير القاضي من اهل الفضل و ما زلنا نحن طلبته نحمل له كل الذكريات و العواطف الجميلة. كان رحمه الله واحدا من ؤئك الرجال من اهل الخير في ايام الخير الذين كرسوا حياتهم لخدمة شعبهم و بلدهم
XS
SM
MD
LG