روابط للدخول

نوري السعيد.. شخصية دارت حولها أحداث المملكة العراقية


رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري سعيد

رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري سعيد

( لكل دولة شخصيتها الاسطورية . و تاريخ العراق مليء بمثل هذه الشخصيات من ايام حمورابي و غلغامش الى ايام هارون الرشيد و المأمون. و في العراق الحديث تألقت شخصية في ايام العهد الملكي ، ايام الخير و اصبحت المحور الذي دارت حوله معظم احداث المملكة العراقية ، الا وهي شخصية نوري السعيد ، او كما عرفت بين اصحابه بأسم ابو صباح.)

مما ذكره شكسبير في مسرحيته "يوليوس قيصر" ان حسنات الانسان تندفن معه و لكن مساوئه تظل تذكر بعد موته. و لكن هذا القول لم ينطبق على نوري السعيد . فطوال حياته ظل الناس يهاجمونه و يذكرون سيئاته، و لكنه عند موته و بصورة خاصة في السنوات الاخيرة، اخذوا يتذكرون افضاله. حيثما نذهب في هذه الايام نسمع هذا او ذاك يروون الكثير من مآثره. و كان منها رحابة صدره ، و استعداه للمفاكهة و الملاطفة و استمتاعه بالطرائف و المقالب.

كان في عام 1948 سلم ادارة البلاد لصالح جبر الذي قدر له ان يتحمل مسؤولية المفاوضات بشأن تجديد المعاهدة العراقية البريطانية ، وهو ما تم في ميناء بورتسموث. غير ان الناس لم يرتاحوا للمعاهدة اجديدة و تفاقمت المعارضة ضدها. انبرت الصحف تندد بها و تهاجم رئيس الحكومة ثم تدفقت الجماهير في مضاهرات صاخبة تهتف بإلغائها و بسقوط الحكومة التي ابرمتها.

و كما نتوقع ، اوحت المناسبة للمتظاهرين بالكثير من الهوسات و الهتافات الشعبية. كان صالح بحر العلوم من الشخصيات الادبية التي ظلت تطوف بين المتظاهرين ، راكبا على اكتافهم و هو ينشد و يقول مخاطبا صالح جبر:

بعهد بورتسموث قد جاوزت حدك يا شقي

احرقت بغداد و عمان و لم تحترقِ ِ

اما المتظاهرون الشعبيون فقد راحوا على طريقتهم ينسجون الهوسات الشعبية . و كان منها الهوسة التي شاعت بسخريتها : " نوري السعيد القندرة و صالح جبر قيطانها."

جرت مصادمات عنيفة بين افراد الشرطة و المتظاهرين فيما عرف بعد ذلك باسم الوثبة ، وثبة 1948. و امام الاحداث الاليمة التي صاحبتها اضطر الامير عبد الاله، الوصي على عرش العراق الى التدخل في الموضوع و الطلب من رئيس الحكومة صالح جبر بالاستقالة ثم الغاء المعاهدة المذكورة. كانت فرحة عامة للشعب بانتصاره و تحقيق هدفه. سجل الشاعر محمد مهدي الجواهري تلك الفرحة بقصيدة اثنى فيها على موقف البلاط و حكمته في حقن دماء الشعب قائلا:

حف بالتاج بنوه فتعالى و تعالى صاحب التاج جلالا

و تعالت امة لم تنحرف عن مدى الحق ولا زاغت ضلالا

ماتت و قبرت معاهدة بورتسموث و اصبحت في ذمة التاريخ و لكن هوساتها الشعبية ظلت عالقة في الاذهان كجزء من التراث السياسي الفولكلوري للشعب العراقي. " نوري السعيد القندرة و صالح جبر قيطانها". من الواضح ان هذه الكلمات كانت ترمي الى التأكيد بأن نوري السعيد كان هو الحاكم الفعلي للبلاد ، سواء اكان في الحكم و رئيسا للوزراء او لم يكن. و لم يكن صالح جبر غير صنيعة بيده. شاعت الاهزوجة في مدينة بغداد ، وراح يرددها الكبار و الصغار، في المقاهي و المدارس و حتى في رياض الاطفال. و بالطبع سمع بها نوري السعيد .

اعتاد الشيخ فرحان العرس الذي كان يمثل لواء العمارة في المجلس النيابي ان يقيم حفلات دورية في بيته، او ما كان يسمى بالقبول الرجالي. و بصفته نائبا في المجلس و من كبار رؤساء القبائل ، دأب كبار الساسة و الادارة على حضور حفلاته و قبوله. كان من بينهم ذات يوم نوري السعيد نفسه. سمع طفل صغير، واحد من احفاد الشيخ فرحان العرس بأن نوري السعيد المذكور في تلك الهوسة، قد حضر الى الحفلة و كان جالسا فيها. فهزه الموقف راح ينشد ببراءة الاطفال تلك الهوسة الشعبية ، نوري السعيد القندرة و صالح جبر قيطانها ... نوري السعيد القندرة و صالح جبر قيطانها . سمعه ابو صباح فنادى عليه و امسك به، " اش قلت؟ قول اش قلت؟ سمعنا!" ارتبك الطفل و حاول النجاة من قبضة رئيس الوزراء، و لكن رئيس الوزراء لم يفك عنه. " يا الله سمعنا أش قلت؟" تدخل الشيخ و شجع حفيده على ان يعيد ما قاله . ففعل. " نوري السعيد القندرة و صالح جبر قيطانها." عاد نوري السعيد فأمسك به و قال : " منو هو القندرة؟ تعرف منو القندرة؟ رفع الطفل يده الصغيرة مترددا ثم اشار بإصبعه الى وجه نوري السعيد و قال : " انت!" غص نوري السعيد بالضحك و قبل الطفل من وجنتيه و احتضنه بين ضجيج الحاضرين و ضحكهم و استئناسهم
XS
SM
MD
LG