روابط للدخول

السياسة الخارجية الأميركية في مناطق النزاع في 2009


البيت الأبيض الأميركي

البيت الأبيض الأميركي

العراق: التنافس العربي - الكردي يؤجج عدم الاستقرار

بعد تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية في معظم أرجاء العراق، عادت بغداد إلى مواجهة موجة جديدة من التفجيرات الانتحارية خلال أواخر عام 2009،
ويقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشئون الشرق الأدنى جيفري فلتمان إن الولايات المتحدة ما زالت تخطط لتدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية إلى ما بعد مغادرة القوات الأميركية من البلاد بفترة طويلة، طالما ظلت الحكومة العراقية راغبة في ذلك، مضيفاً:
"إننا نتفهم القلق السائد حول الوضع الأمني، فمثل هذا القلق طبيعي جدا، كما إنني علم بأن الحكومة العراقية أقرت بوجود بعض الثغرات في الأداء الأمني، لذلك فأنا لا أريد الظهور كنموذج مألوف للأميركي المتفائل بقولي إن كل شيء على ما يرام، حتى مع إدراك الناس على أرض الواقع بأن الوضع يتطلب المزيد من التحسن."
أما أحد الأسباب المهمة لاستمرار انعدام الاستقرار في العراق فيعتبر التنافس العربي - الكردي في شمال العراق، حيث يُعتقد أن متطرفين مرتبطين بتنظيم القاعدة يستغلون الخلافات المتمثلة في الصراع على الأرض والموارد القائم بين العرب في الحكومة المركزية من جهة وقادة المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي الجزئي في شمال البلاد. ويتركز الخلاف في جوهره على مسألة من سيسيطر على المنطقة الغنية بالنفط وعلى إيرادات مصادر الطاقة في الشمال، فالسلطات الإقليمية الكردية تسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي المتنازع عليها في محافظة نينوى، وذلك من خلال نشرها قواتها الأمنية ( البيشمركة) في المنطقة، في الوقت الذي ظل فيه مسئولون أميركيون يسعون إلى المساعدة على إيجاد حل للمجابهة السياسية بين العرب السنة والأكراد في الموصل.
وفي أعقاب سلسلة من التفجيرات خلال شهري تموز وآب راح ضحيتها ما لا يقل عن 143 شخص في شمال البلاد أعلنت القوات الأميركية عن خطط لنشر جنودها للعمل مع قوات البيشمركة الكردية وقوات الجيش العراقي.
وكانت الحكومة الإقليمية في كردستان قد أكدت على ضرورة مشاركة الجنود الأميركيين ضمن القوات المشتركة بغية ضمان الأمن في المنطقة ومن أجل العمل بموجب الفقرة 140 من الدستور التي تضع الخطوط العريضة لكيفية تحديد مصير الأراضي الشمالية المتنازع عليها، وهي الفقرة التي يرفضها قادة السياسيين العرب.
وفي الوقت الذي تشير فيه إدارة الرئيس أوباما إلى وجود خطط لخفض عديد القوات الأميركية في العراق، يؤكد مجلس العلاقات الخارجية بأن المخاطر تكتنف نجاح عملية الانتقال السياسي في العراق. فما زال النظام السياسي العراقي يعاني من نزاعات السلطة ومن التناحر القبلي، إلا أن الأعضاء العرب والأكراد في مجلس النواب العراقي تمكنوا من تجاوز درب سياسي مسدود حين توصلوا في تشرين الثاني إلى حل وسط حول قانون الانتخابات اللازم لإجراء الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في السابع من آذار المقبل.
وكانت القضية الأكثر إثارة للخلافات تتعلق بالاقتراع في محافظة كركوك المتنازع عليها، إذ يتهم العرب السنة الأكراد بتعزيز أعدادهم في المحافظة بشكل مقصود من أجل السيطرة في نهاية المطاف على مركز المحافظة قبل ضمها إلى منطقتهم ذات الحكم الذاتي.
وقد توصل المشرعون العرب والأكراد في نهاية الأمر إلى اتفاق بأن يتيم التدقيق للأصوات المدلى بها في كركوك، وذلك على مدى أشهر بعد الانتهاء من عملية الاقتراع، وفي حال ظهور ما يغير نتائج الاقتراع في كركوك، فسوف يتمخض عن ذلك تفاقم إضافي للتوترات، ما يجعل الانتخابات التشريعية تحديا بالغ الحساسية خلال السنة الجديدة.


أفغانستان: إستراتيجية أميركية جديدة للتصدي لحركة طالبان

مع تنصيب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، شهد عام 2009 مباشرة واشنطن في إعادة النظر في إستراتيجيتها الخاصة بأفغانستان، التي تأخذ في الاعتبار كون الأحداث في أفغانستان وباكستان متداخلة ومترابطة.
وجاء تعيين ريتشارد هولبروك مبعوث أوباما الخاص الى أفغانستان وباكستان في منصب تم استحداثه، ليجسد توجه واشنطن الجديد والمسمى (AF-PAK). وقد بادر هولبروك وباقي أفراد كادر أوباما للشئون الخارجية إلى إعادة تعريف ما يمثل النجاح في المنطقة، مبتعدين بذلك عن أهداف الرئيس السابق جورج بوش للتحول، وفي اتجاه أهداف يمكن تحقيقها بشكل واقعي.
إستراتيجية أوباما الجديدة التي أعلن عنها هذا الشهر بعد استماعه طوال العام إلى آراء المسئولين العسكريين والخبراء في شئون المنطقة وعدد من المشرعين، تتطلب نشر 30 ألف جندي أميركي إضافي في أفغانستان ليبلغ عديد هذه القوات هناك إلى نحو 100 ألف مقاتل، وتأخذ هذه الإستراتيجية في الاعتبار الحاجة إلى تعزيز قدرة الأفغان على حكم بلدهم، وإلى مكافحة الفساد، مع زيادة التركيز على جهود إعادة الإعمار المدني في كل من أفغانستان وباكستان،
غير أن زعزعة الثقة بالرئيس الأفغاني حامد كرزاي في الداخل وفي الخارج، وانهماك واشنطن في إعادة تقييم مهمتها في بلاده نتجت عن ادعاءات بأن إعادة انتخاب كرزاي في موسم الصيف جاء نتيجة عمليات تزوير واسعة النطاق من قبل مسئولين انتخابيين كان هو قد عينهم.
وتزامن ذلك مع تمكن طالبان من استعادة موطئ قدم لها في أجزاء من شمال أفغانستان بعد التراجع شبه الكامل لنفوذها في المنطقة منذ انهيار نظام حكم طالبان في أواخر عام 2001.
وقد أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الأدميرال مايك مولن في كانون الأول الحالي بأن طالبان وتنظيم القاعدة وغيرهما من الجماعات الإرهابية تمكنت من ترسيخ نفوذها، قائلاً:
"ما زلت أشعر بالقلق العميق إزاء التواطؤ القائم بين طالبان أفغانستان والقاعدة وجماعات متطرفة أخرى تحتمي عبر الحدود في باكستان.. أما النيل من هذه الشبكة التي زادت من ترسيخ نفسها فقد بات أصعب بكثير عما كان عليه قبل ما لا يزيد عن عام واحد".

إيران:قلق أميركي من برامج طهران النووية

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما تولى مهام منصبه في أوائل عام 2009 متعهداً بمشاغلة إيران دبلوماسيا في محاولة لحل الأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، إلا أن السلطات الإيرانية رفضت حلا وسطا عرضته الوكالة الدولية للطاقة الذرية كان من شأنه أن يبدد المخاوف الغربية إزاء النشاطات الإيرانية في مجال تخصيب اليورانيوم.. فالولايات المتحدة، شأنها شأن حلفائها مثل بريطانيا وفرنسا، قلقة من إيران تسعى إلى تخصيب اليورانيوم سرّا بهدف تصنيع أسلحة نووية، ومن الواضح أن مثل هذا النشاط يعتبر خرقا إيرانيا لالتزاماتها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. إلا أن إيران تدعي أن برنامجها النووي مخصص للأبحاث الطبية ولتوليد الطاقة الكهربائية.
ويرى الخبير في شؤون منع الانتشار النووي لدى معهد الدراسات الإستراتيجية بلندن مارك فيتزباترك، أن مستوى القلق قد تزايد منذ أن نشرت مؤخراً صحيفة التايمز البريطانية تقريرا يتضمن ادعاء بأن إيران تقوم بنشاط سري في مجال الأسلحة النووية، مستندة إلى وثائق حصلت عليها تشير إلى مصدر نيوتروني (ديوتريد اليورانيوم) يمكن استخدامه كقادح في الأسلحة النووية، ويوضح قائلا:
"إن ثبُت أن إيران كانت تعمل حتى عام 2007 على تطوير وتصميم الأسلحة، فهذا من شأنه بالتأكيد أن يغير المواقف من إيران.. فالتقييم الاستخباري الأميركي السابق الذي اعتبر أن إيران كانت قد تخلت عن نشاطها في مجال تطوير الأسلحة، جعل الناس يقولون (حسنٌ، يمكننا إذا أن نتفاوض مع إيران وأن نقنعها بقبول بعض القيود، كما يمكننا تقبل مستوى مقبول من التخصيب لكونه مخصص للمجالات المدنية). أما إذا كانت إيران تعمل بالفعل على تطوير الأسلحة فذلك سيثير شكوكا حول إمكانية الوثوق بإيران فيما يتعلق بأية تقنيات حساسة يتم استخدامها بهذا القدر من الوضوح في مجالات تطوير الأسلحة".
وجاء تقرير الصحيفة اللندنية في أعقاب الكشف عن منشأة جديدة للتخصيب تقع بالقرب من مدينة قم، ما أثار موجة تنديد حول العالم، وزاد من احتمال فرض عقوبات فردية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية، إلا أن العقوبات الأكثر شمولا المفروضة بقرار من مجلس الأمن الدولي فتحتاج إلى تأييد من روسيا والصين، اللتين تتمتعان بحق النقض في مجلس الأمن واللتين لا تبدوان، مع اقتراب عام 2009 من نهايته، على استعداد لتأييد مشروع قرار يدعو إلى تشديد العقوبات على إيران.

البوسنة: آثار جروح الحرب ما زالت تغذي الانقسامات

مرت خلال عام 2009 الذكرى الـ14 لتوقيع اتفاقيات (دايتون) التي أنهت الحرب في البوسنة والهرسك، إلا أن مرور الزمن لم يُزل آثار الحرب المتمثلة بالتنافس العرقي والسياسي المرير بين شطري البوسنة السياسيين والإقليميين الرئيسيين.
وكانت اتفاقيات دايتون هي التي شطرت البوسنة إلى كيانين شبه مستقلين – الاتحاد المسلم الكرواتي الذي يتخذ من سراييفو عاصمة رسمية له، وجمهورية (سربسكا) التي تحتضن مدينة (بانيا لوكا) برلمانها وحكومتها، ولكن بموجب اتفاقيات دايتون ما زال الكيانان يجمعهما عدد من المؤسسات المركزية الضعيفة، ويشرف عليهما مبعوث أجنبي – مكتب الممثل الأعلى المعيّن من قبل المجتمع الدولي من أجل دعم مبادئ دايتون.
وكانت الخطة تدعو إلى تقليص وتلاشي دور مكتب الممثل الأعلى بعد بلوغ البوسنة مرحلةً من النضج السياسي، إلا أن الخطط الرامية لإلغائه في 2007 تم تأجيلها نتيجة استمرار حالة انعدام الاستقرار بين الكيانين، وفشل السياسيين المحليين في تبني الإصلاحات اللازمة.
غير أن رئيس وزراء جمهورية سربسكا ميلوراد دوديك لم يخفِ ازدراءه للهيكل الذي أوجدته دايتون للبوسنة والهرتزغ في أعقاب الحرب، خصوصا ما يتعلق منه بمكتب الممثل الأعلى وإصراره على إجراء إصلاحات دستورية من شأنها أن تضعف الحكم الذاتي لكيانه لصالح تعزيز السلطة المركزية.
ويبدو ولاء دوديك يميل في اتجاه (بلغراد) بدلا عن سراييفو، فقد هدد مرارا بإجراء استفتاء شعبي لتحديد ما إذا كانت جمهورية سربسكا ستستقل عن البوسنة والارتباط بجمهورية الصرب بدلاً عنها.
وتصاعدت حدة الخطاب في كانون الأول الجاري حين اقترح دوديك إجراء استفتاءين حول مسعى البوسنة للانضمام إلى حلف الناتو، وحول وجود القضاة ووكلاء الإدعاء الأجانب المعينين لدى محكمة الدولة البوسنية لمقاضاة مجرمي الحرب المزعومين والبارزين في مجال الجريمة المنظمة.
وكان دوديك نفسه قد أُتهم باستخدام صندوق استثماري مهم في جمهورية سربسكا لمنح قروض بالأفضلية، وهو لم يزل قيد التحقيق من قبل أحد المدعين العامين الدوليين بمحكمة الدولة البوسنية.
وتأتي حالة الاضطراب في البوسنة وسط هبّة من الاهتمام الدولي، فقد ضغط دبلوماسيون غربيون بقوة خلال هذا العام من أجل توصّل البوسنة إلى حل لخلافاتها السياسية والمضي نحو تبني الإصلاحات، إذ من المقرر أن تجري في البوسنة خلال العام المقبل انتخابات رئاسية وبرلمانية، وسط مخاوف من أن الغرب سيتخلى عن جهوده في البوسنة في موسم انتخابي لا يرجح خلاله التوصل إلى اتفاق حول الإصلاحات السياسية.
إلا أن البوسنة ستنضم في الأول من كانون الثاني إلى مجلس الأمن الدولي في عضوية تستمر عامين، ما يتطلع إليها الدبلوماسيون كخطوة ستساهم في تعزيز مؤسسات البلاد.
ويؤكد سفير الولايات المتحدة لدى البوسنة والهرسك تشارلس إنغليش قلق واشنطن إزاء استمرار الانقسامات التي تتميز بها الساحة السياسية البوسنية، لكنه حث القادة البوسنيين على تبني الإصلاحات اللازمة لتدعيم طلب انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو، مضيفاً:
"أولا، الولايات المتحدة لن تقبل بأي وضع لا يجعل البوسنة والهرسك بلداً مسالما متعدد الأعراق وموحد وله سيادته. وثانيا، الولايات المتحدة مقتنعة بأن السبيل الوحيد نحو مستقبل يتسم بالأمن والازدهار للبوسنة والهرسك يتمثل في انتمائها إلى الدائرتين الأوروبية والأوروبية / الأطلسية".
XS
SM
MD
LG