روابط للدخول

اشتهر الحلاقون عالميا و في كل مكان و زمان بالهذرفة وكثرة الكلام. انه جزء لا يتجزأ من المهنة. لعل الكثير منا يتذكرون قصة الحلاق الثرثار التي كنا نقرأها في المدرسة. ومن وحي الحلاقين ايضا جاءت (اوبرا روسيني «حلاق اشبيليا»). ومن اطرف ما ورد في الفكاهة العربية كان ما كتبه الاديب المصري الشهير المازني عن حلاق قروي في منطقة الصعيد في مصر. بيد انني قضيت شبابي احلق شعري ، الذي كان كثيفا جدا، لدى الاوسطة يوسف اللمبجي الذي كان يزاول مهنته في محلة الكرنتينة ، قرب كلية الحقوق آنئذ، من شنطة صغيرة يذهب بها الى رؤوس الناس من زبائنه البسطاء، جنود و تلاميذ بدلا من ان يأتي الناس برؤوسهم اليه.
كنا ننتظره في مقهى ابراهيم عرب قرب ثكنة الخيالة مقابل مقبرة الانكليز. نأخذ اماكننا في آخر المقهى على التخوت الخشبية القديمة ، نشرب الشاي شتاء او النامليت صيفا ونتجاذب الحديث ونسب الاستعمار آناً ونترحم على ايام الانجليز آناً آخر حتى يطل علينا يوسف اللمبجي بطلعته البهية وشنطته الالمعية. يبادرنا بالسؤال: «دور من يا شباب»؟
كان حلاقا ماهرا مزودا بأحسن المعدات الاثرية من مخلفات الحرب العظمى، الحرب العالمية الاولى، ولكن مشكلته كانت انه عاش حياة مزدوجة. حلاق في النهار ومطرب في الليل يغني المقامات و البستات الشعبية العراقية. . وكثيرا ما خلط بين الاثنين. يقطع الحلاقة بالغناء ثم يبادر فيقطع بماكنة الحلاقة ما كان ينشده و يغنيه من العبوذيات و المواويل الشائعة.
كثيرا ما ادى ذلك الى توقفه عن الحلاقة والصابون يغطي وجهي والشعر يملأ عيني ليغني مقطعا، او ما كان يسميه «قفلا» ليصحح به الاغنية المنطلقة من الراديو «لا، لا، لا... موها الشكل يا استاذ»، يقول مصححا محمد عبد الوهاب وهو يغني «بالبر لم فتكم بالبحر فتوني، بالتبر لم بعتكم بالتبن بعتوني... يا ليل يا ليل..» يضع ابو يعقوب الموس من يده في حضني ويرفع عقيرته بالغناء.
كان كل هذا يهون علينا، ولكنه كثيرا ما كان يجري بشفرته فوق حنجرتي، ثم يخطر له لحن من محمد القبانجي، فينطلق بالغناء فتهتز بطنه وترتجف الشفرة الحادة فوق رقبتي وتصعد روحي الى حلقومي من الذعر». «ابو يعقوب الله يخليك بعدين.. بعدين خلينا نسمع المقام». ولكنه يستمر ويرمي الشفرة على الطاولة بعصبية «انتو المثقفين ما تتذوقون المقام، لو اني واحد من هالمطربين المخانيث، يا عواذل فلفلوا، لا قل لي ولا قلتلو، وما ادري شنوبعد ، كان تذوقتوتوني ؟؟».
وقبل ان افتح فمي بكلمة، كان الاوسطة ابو يعقوب، يوسف اللمبجي قد وضع يديه بأصابعه الغليضة العشرة على جانبي رأسه ومسك بقوة عل اذنيه وانطلق بأعلى صوته يعيد و يردد ما سبق و غناه ، او بالاحرى قرأه ، استاذنا و شيخ المقام العراقي من درر الشعر العربي الكلاسيكي الاصيل: :

" شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا راهب...، يا راهب الدير هل مرت بك الابل؟
واثناء ذلك تكون شفرة الحلاقة قد بترت جزءا من انفي او من اذني او رقبتي وانساب الدم منها جزافا «ولا يهمك يا استاذ خالد. هذا كله دم فاسد. الدم اللي يطلع من طارف الاذن دم خربان.

احسن يطلع وترتاح و تخلص من سمومه و من مقروباته و اذيته». و لكن
لم تعان اذني من شفرته فقط، بل ومن صوته ايضا. كان يصرخ باغنياته في اذني كمعظم مغني المقام ، فاضطر احيانا الى تحريك رأسي بعيدا عن فمه، فتصيبني الشفرة في رقبتي، او حنكي، او شفتي. ويتدفق الدم. ينتهي دوري اخيرا بكلمة «نعيماً استاذ»، الله ينعم عليك ، اقول له مكرها، و على مضض. ينفض الصدرية الكتان من الشعر في وجهي و على ملابسي استعدادا للشخص الثاني، صديقي عبد المعبود. فيبادر هذا الى التوسل به: «عيني ابو يعقوب، الله يخليك. خلص الاغنية بالاول ، خل نسمعها بالأول و نستمتع بيها وبعدين من تخلص من الغنا احلق لي و زين لي شعري».

يجيبه اللمبجي حانقا ويقول: «اوهو! انتو يا اولاد هالزمان، اولاد المدارس و الكليات، ما تقدرون الفن الصحيح. ما تفهمون المقام هذه هي المصيبة. العراقي ماله قدر بين العراقيين».

المزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG