روابط للدخول

عندما خرج العراق من ويلات الحرب العظمى ، الحرب العالمية الاولى، و الحكم العثماني المتخلف، انفتحت ابواب النور للعراقيين ليروا لأول مرة مبتدعات العصر الحديث و ثمرات التقدم العلمي و التكنولوجي. لأول مرة ، رأوا السيارة و الطيارة فانبهروا بها. و دخل النور الى حياتهم بدخول الكهرباء

«اللمبجي» من الالقاب الحرفية اتي كانت متداولة في العراق مثل التنكجي و الكبابجي والسفجري ، الى آخره. ، ويشير لقب اللمبجي الى من كانوا يصنعون "اللمبة" ( وهي المصباح النفطي). وكان الطلب عليها محدودا، فما فائدة اللمبة لشعب أكثره أميون؟ وربما كان ذلك سبب الفقر الذي عاشه زميلي الرسام فخري اللمبجي. كان والده يقيت أسرته من صنع اللمبات والفوانيس النفطية وبيعها و تصليحهامن دكانه المتواضع في السوق المعروف بسوق الغزل المجاور للشورجة. ازدادت العائلة فقرا بدخول الكهرباء وانخفاض الطلب على اللمبات و الفوانيس.

بدأت شركة الكهرباء بمد الاسلاك ونصب اعمدة الكهرباء. فأسرع الاولاد لتحذير ابيهم: «بابا شوف لك صنعة ثانية. شغلة اللمبات بعد ما توكل خبز.». سألهم أبو فخري عن هذا الشيء الدخيل الذي يسمونه الكهرباء. يعني هذا مثل خرز الكهرب؟ فشرحوه له حسب فهمهم و ما تعلموه في المدرسة، بأنه شرارة يقدحها المهندسون الانجليز في معامل الشالجية وتمشي تركض عبر الأسلاك. وتقفز من سلك الى سلك وتضيء بيت كل من يدفع خمس روبيات شهريا للشركة الانكليزية. اجابهم الوالد ابو فخري « ولدي، روحوا اشتروا بعقلكم حلاوة. أكو شرارة و نارتمشي بالأسلاك؟».
واصل عمله في صنع المزيد من اللمبات بجد ونشاط، ، يطرق التنك و يلحم و يركب ببركة الله. في حين واصلت الشركة اثناء ذلك اعمالها بنصب الأعمدة و اقامة المحطات والمحولات ومد الأسلاك. اجتازت الجادة ، أي شارع الرشيد حتى وصلت الشورجة. وتقدمت يوما بعد يوم نحو سوق الغزل. و اثناء ذلك اصبح موضوع الكهرباء حديث المجالس في المقاهي و البيوت. راح الناس يرددون. هذا آخر زمان. بس تكبس على زر يشتعل البيت كله و يصير الليل نهار. عفية عليهم هالانكليز. ما يعصى عليهم شي. ماكو شي ما يقدرون يسووا. بس بني آدم يوقف عليهم وما يقدرون يخلقوه. التفت زميلي الفنان الرسام فخري اللمجي فقال لأبيه : «يا بابا الكهرباء وصل السوق، كل دكاكين الشورجة صارت تضوي بالكهرباء. بس يعجبك تتفرج عليها. وحمدي العلوجي، أدخل الكهرباء لبيته، بس تعال شوف وعاين».

ولكن الرجل رفض الذهاب والمعاينة، قال: «هذا ابو حسن، عقله صغير ويسمع كلام مرته. يومين وتخرب لمبة الشركة مال الانكليز، ويقعدون بالظلمة ويجون يتوسلون بي على فانوس».

أخيرا توقف ابو فخري عن الصلاة في مسجد سوق الغزل بعد ان سمع انهم أضاؤوه بالكهرباء. و زوقوا تلك المنارة التاريخية بالمصابيح الكهربائية. توقف حتى عن الخروج ليلا ويرى الازقة مضاءة بالكهرباء. وبعد ان أوصلوا القوة لكل الدكاكين والدور المجاورة، أذعن لضغوط الاسرة واستدعى الشركة لمد بيته ايضا بالكهرباء. جاء العمال فثقبوا الجدران ومدوا الماسورات وأوصلوا الأسلاك و ركبوا المصابيح و الميزانية و الفيوزات و انتهوا بربط البيت بالشبكة العامة.
نعم، دخلت القوة بيت صانع اللمبات، نادوا على ابيهم في الدكان ليحضر ويرى كل شيء، هذا الأمر العجاب. اشاروا الى هذه الكرات الزجاجية المعلقة بسلك من السقف. نظر اليها وتساءل: «يعني قولوا لي هذي الكلوبات مثل ما تسموها شلون راح تشتعل بدون نفط؟».
أشاروا الى أحد الأزرار المركبة على الجدار. «تكبس على هذا الزر، هالدكمة، فتنير البيت، وعلى ذاك الزر فتنيرالمطبخ وذاك الزر يشعل لك الحمام».
مشى العم أبو فخري نحو احدهما غير مصدق لما سمع. مد يده المرتجفة الى الزر بتردد وقلق. كبس عليه، واذا بالبيت كله يتحول من ليل الى نهار، نور على نور. التفت الاوسطة اللمبجي الى ولده الكبير وقال له: «ابني فخري، روح اقفل الدكان وجيب لي المفتاح».
ذهب صديقي فخري الى الدكان، قفله وعاد وسلم المفتاح الى والده. وبقدر ما اعلم، وضع الوالد ذلك المفتاح في جيبه وتركه هناك دون ان يستعمله ولو مرة واحدة يما تبقي من حياته. بقي المفتاح في جيبه وبقي الدكان مغلقا بكل ما فيه من عدة وفوانيس ولمبات بائرة حتى توفاه الله في اجله المحتوم وشيع في مسجد سوق الغزل المضاء، طبعا المضاء بالكهرباء. سار وراء جنازته سائر القوم، ولكن لم يكن بينهم المدير الانجليزي لشركة الكهرباء.
و عندما غلق ذلك الدكان ، كان كما اوصد الباب على العراق القديم ليفتح الباب لعراق جديد ، عراق الخير و الخيرات.

المزيد في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG