روابط للدخول

كانت هناك مجاس او قبولات في بيوت الكثيرين من وجهاء بغداد ممن اهتموا بالأدب و التراث والشؤون العامة. بيد ان مجلس الأب انستاس ماري الكرملي برز من بينها في تحوله الى مركز من المراكز الرئيسية للادب و اللغة العربية.

كتب الفكاهة العربية مليئة بنكات و طرائف الفقهاء و النحويين. وهو شيء طبيعي فقواعد النحو و فقه اللغة تعطي ملعبا رائعا للهو و التنكيت بكل براعاتها و لوذعياتها و مقالبها. لا ادري لماذا يذهب الناس للسينما او يقضون اوقاتهم امام التلفزيون و امامهم هذه السينما اللغوية المجانية. بالطبع اكثر ما بيدنا من النكات النحوية مؤلفة ومخترعة. انه الشيء الوحيد الذي نستطيع اختراعه. و لكن الأب انستاس ماري الكرملي ترك لنا تقليعة افضل من كل ما سمعته عن النحويين. كان الكرملي راهبا في كنيسة اللاتين في بغداد بعد نزوحه من بلده الاصلي لبنان . طابت له حياة بغداد في ايام الخير بما عرف عنها من روح التسامح و الألفة بين الطوائف عندئذ. و كان الكرملي مهووسا بقواعد اللغة العربية ومتزمتا فيها كالكثير من اخواننا المسيحيين. وكان له مجلسه او ديوانه الذي يعقده في الكنيسة عصر كل يوم جمعة بعد ان يكون المسلمون قد ادوا فريضة صلاة الجمعة و اليهود لم يدخلوا بعد بسبتهم. ففي ديوانه اعتاد حتى مشايخ الاسلام كالشيخ جلال الحنفي والشيخ محمد جعفر الشبيبي و كهنة اليهود كمير بصري و الشاعر انور شاؤل على التردد عليه مع حشد كبير من الادباء و الفقهاء و المثقفين كروفائيل بطي و عباس العزاوي و مصطفى جواد و ميخائيل عواد.
كانت هناك لوحة في صدر الديوان تقول " ممنوع التحدث في الدين و السياسة." تجلس عندئذ و تتسائل فما الذي سنتحدث عنه اذن؟ فهذان هما الموضوعان اللذان لا يحلو أي مجلس عربي بدون التحدث فيهما. السياسة و الدين. ما الذي بقي للحديث؟ آه طبعا هناك الجنس و النساء، ولكننا هنا في دير كنيسة كاثوليكية وفي مجلس راهب لا شأن له في أي من ذلك بعد ان هجر ملذات الحياة و كرس نفسه للسيد المسيح عليه السلام. بقي حديث اللغة و الادب. و هو ما كان. فأبونا الكرملي كان عالما معروفا في هذا الميدان في سائر البلدان العربية و امتلأت بمقالته المجلات و الدوريات المصرية و اللبنانية.
كثيرا ما احتدم النقاش في ديوانه بشأن اتفه المعضلات النحوية التي لا تثيرفي انفسنا غير الضحك. من ذلك ما جرى بينه و بين الدكتور مصطفى جواد ، المتزمت الآخر في الموضوع و صاحب عمود " قل ولا تقل." اذي اعتاد على نشره في المجلات العراقية. استاء منه ابونا الكرملي بصورة خاصة لأن مصطفي جواد كان تلميذا من تلاميذه. و علمه الرماية فلما اشتد ساعده رماه، على نحو ما قال الشاعر. كانوا جميعا بمن فيهم المشايخ يسمونه " ابونا." و بهذه الصفة تسلم يوما صكا يقول ادفعوا لأبونا انستاس ماري الكرملي ثلاثين دينارا فقط. ما ان رأى القس ذلك الصك حتى اخرج قلمه الازرق و شطب كلمة لابونا و صححها الى " لابينا". قدم الصك لبنك الرافدين فرفضت الموظفة تسلمه لوجود شطب فيه بالقلم الازرق. افهمها سر التصحيح . بيد انها لم تعبأ بذلك و رفضت الدفع. و لكنها كانت مؤدبة و احترمت هذا الرجل الشيخ فنصحته بأن يذهب الى ساحب الصك ليوقع على التصحيح او يحرر صكا جديدا بدلا عنه. ما كان من ابونا ، او بالاحرى من ابينا لئلا يزعل علينا ابونا الكرملي، ما كان منه الا ان ثار و ازبد و عربد. كل هذا الاستهتار باللغة! يريدون ان يتجاهلوا حرف الجر الذي يجر حتى الجبال. قال للموظفة ، من اجل ثلاثين دينارا تريدين مني ان اتجاهل حكم الجار و المجرور بحرف الجر! اخذ الصك من يدها و مزقه في وجهها و خرج.
اشرت الى التصحيح بالقلم الازرق. لقد سأله صديقنا نجدة فتحي صفوة . قال له ان التصحيح يكون عادة بالقلم الاحمر . فاجابه ابونا، هذه كلها بدع ما انزل الله بها من سلطان. فالعرب كانوا يمجدون اللون الأحمر . يثنون على الخد الاحمر و الوردة الحمراء و الثوب الاحمر. و يكرهون الازرق ، لون عيون الافرنج. و عليه ينبغى استعمال القلم الازرق للخطأ و الاحمر للصواب. وهو ما كان يفعله بقلم من رأسين ، ازرق و احمر. يشطب بالازرق و يستحسن و يؤيد بالأحمر.
و كانت ايام مجلس الكرملي ايام خير و فاتت.

على صلة

XS
SM
MD
LG