روابط للدخول

كثيرا ما يغيب عن انظار الناس ، بمن فيهم الكتاب و المثقفين ان بغداد كانت لعدة قرون عاصمة الامبراطورية الاسلامية . و كعاصمة لهذه الامبراطورية المتضاربة الارجاء اقتضى عليها ان تحتضن سكانها من شتى القوميات و الديانات. و هذا بدوره ادى الى تقاليد التسامح التي ارتبطت بحياتها الاجتماعية

محلة صبابيغ الآل من المحلات الشعبية في بغداد و تميزت بالتعايش الديني و الطائفي، على الأقل في ايام الخير. كان فيها سكان من المسلمين و النصارى و اليهود و الصابئة من سائر الملل و النحل. تعايشوا بسلام و وئام. و كان منهم القس يوسف الذي تميز بكونه نصف مسيحي و نصف مسلم. لقد ولد مسلما ، و لكنه لأمر ما تحول الى الدين المسيحي و صار قسا في الكنيسة بفضل صوته العذب و اتقانه لفن المقام. وجدوه خير من يصلح لإنشاد التراتيل.
و بالنظر لهذه الخلفية ، فقد اعتاد كل من يفكر بتغيير دينه ان يقصده و يستهدي برأيه و نصائحه. كان من هؤلاء السيد فاروق. ذهب اليه يستفتيه في امره ، و كيف يترك دين آبائه و اجداده ، دين الإسلام ، و يلتحق بدين النصارى. و بالطبع كان اول ما سأله عنه هو السبب؟ لماذا يا ولدي تبغي تترك دينك و تتحدي اهلك و عشيرتك و اصحابك؟
اجابه فاروق برقة و قال هذا دين المسيح ، دين السلام و المحبة و الغفران و نحو ذلك من الكليشهات المعتادة التي اعتدنا على سماعها. و احب ان انتمي اليه. اجابه الأب يوسف فقال ، و لكن يا ولدي كل الأديان تدعو الى السلام و المحبة و كل الأنبياء يحثون الناس على العفو و الغفران . دينكم الإسلام يحض على السلام و التفاهم ، و نبيكم اشتهر بالعفو و المسامحة. لا داعي بك لتغيير دينك من اجل ذلك. و لكن قل لي الحقيقة ، لماذا تريد ان تغير دينك؟

لم يجد فاروق مفرا من الكشف عن حقيقة امره. هذا التعايش الديني في محلة صبابيغ الآل غالبا ما تجاوز حد التعايش و افضى الى الكثير من مزالق الهيام والغرام , وهو بالضبط ما حصل لأخينا الشاب فاروق.
كانت هناك عائلة مسيحية تسكن قريبا منهم ، و كان الوالد رجلا مخصبا كمعظم الكاثوليك، و لكن خصبه تركز على انجاب الأناث ، و كن اناثا على درجة كبيرة من الجمال، ولا سيما البنت الوسطى منهن ، ماري. وقع فاروق في حبها . و دأب على ملاحقتها كل يوم الى المدرسة و انتظارها بعد الدروس على ابواب المدرسة ، لمجرد ان يحظى منها بنظرة ، و اخيرا بكلمة و في آخر المطاف بلقاء و عناق. كثيرا ما تهرب الأثنان من دروسهما ليقضيا النهار على ضفاف النهر يشاركان العصافير حوارها و الضفادع نقيقها و ضجيجها . راودها عن نفسها بالحرام و لكنها ابت و تعصبت. لا سبيل لإمتلاكها بدون الزفاف اليها حسب ما شرعه الأنبياء و الرسل ، و قننه النبي العربي و نبي النصارى.
إنه الموقف التقليدي المتكرر. لا يا بنت. هؤلاء المسلمون يجرون ورائك حتى يحصلوا على بغيتهم ثم يرموك رمي النواة. اذا كان هذا الفتى يحبك حقا و من كل قلبه فليثبت صدق نيته و إحترامه لك و يلحق بك في دينك و ايمانك و يكون واحدا منا.
و كان هذا القول ما قالته ماري لحبيبها. تعال معي الى الكنيسة و تنصر. و بالطبع جرى موقف مشابه في بيت الفتى فاروق. اذا كانت هذه البنت النصرانية تحبك ولا تطمع بثروتك و مركزك و مستقبلك فلتذهب معك الى القاضي و تشهد على دخولها دين محمد و تتلو الشادتين.
طريق مغلق . و تحول الأمر الى صراع في الإرادة. أي منهما ستلين قناته اولا فينهار و يضحي بكل شيء من اجل الحب. هذا مأزق كثيرا ما سمعت عنه في بغداد و تكررت حكاياته في تلك الحارة الشعبية من محلة صبابيغ الآل ، حيث امتزج صوت موسى و عيسى و طه. و اختلط صوت اجراس الكنائس بأصوات المنائر .
استمع الأب يوسف الى حكاية الشاب المسلم . و كان الفتى فاروق اول من انهارت ارادته من العاشقين. اطرق قليلا تحت قلنسوته ثم رفع رأسه و افتر عن ابتسامة ساخرة.
" اسمع يا ولدي. انا تزوجت ثلاث مرات. الأولى الله يرحمها ام حسن كانت مسلمة وماتت بالسل. الثانية أم جورج و طلقتني. الثالثة جورجيت ما زلت اعيش معها. لكن إسمعني يا ولدي و خذ نصيحتي. ماكو بالدنيا مرة تسوى تغير دينك من اجلها
XS
SM
MD
LG