روابط للدخول

بغداد يا ذات القصور العالية


صورة لكوكب الشرق أم كلثوم في بيت جمال بابان من أعيان بغداد. الجالسون بجوار المضيف: رئيس الوزراء نوري السعيد على يساره، والوصي عبد الإله على يمينه

صورة لكوكب الشرق أم كلثوم في بيت جمال بابان من أعيان بغداد. الجالسون بجوار المضيف: رئيس الوزراء نوري السعيد على يساره، والوصي عبد الإله على يمينه

يحدثنا كاتبنا البارع خالد القشطيني عن صفحة عجيبة منسية من تاريخ العراق عندما كانت أغاني أم كلثوم تشغل حيزا كبيرا من حياة العراقيين الاجتماعية، كردا و عربا، في حفلاتها الخميسية المشهورة حين كان الناس يتوقفون عن أعمالهم و مسؤولياتهم ليقضوا الليل في الاستماع إليها.

لمدينة بغداد وقع خاص في قلوب سائر العرب و المسلمين. حيثما ذهبت ، حتى عند زيارتي لمدينة كوالالمبور ، عاصمة ماليزيا، اولى الناس لي احتراما و ضيافة خاصة حالما سألوني و قلت لهم انني عراقي من اهل بغداد. انها عاصمة الخلافة و قلب الامبراطورية العربية الاسلامية.
بيد ان قلوب العرب اجتمعت و التفت حول عنصر آخر ايضا فيما اتحدث عنه من ايام الخير ، الا وهو صوت ام كلثوم. اجتمعت حولها قلوب معظم العرب و غير العرب يضا من سكان الشرق الأوسط. و ارتبطت بها حكايات تكاد تكون حكايات اسطورية. كلما حلت ليلة الخميس الاول من كل شهر، موعد حفلة ام كلثوم الشهرية، نصبنا موائدنا في بغداد ، احيانا على رصيف الشارع و قارعة الطريق و بجانبنا الراديو القديم، ننصب المزة و قناني الخمر و نسهر مع حفلتها حتى الفجر. كذا جرى الأمر في معظم المدن و القرى العربية ، حتى انتابنا ذلك الشعور بالوحدة ، الوحدة العربية. اصبحت ام كلثوم عنصرا غذى حركة الوحدة العربية .
سمعنا الكثير عن ذلك و لكنني اكتشفت ان اغاني ام كلثوم لمت حولها الكرد ايضا، بل و حتى ثوار البيشمرغة. روى لي صديقي ابو عدنان الحكاية الطريفة التالية عندما كان يشارك في الحرب الجارية هناك في تلك الايام. كنت في الواقع قد وصفت في المجلات الانجليزية تلك الحرب بحرب الجنتلمانية. لم تكن في حروب كردستان في العهد الملكي و عهد عبد الكريم قاسم ، تلك المرارة التي غرسها فيها صدام حسين فيما بعد. كان القتال في العهد الملكي اشبه بالعركة بين الاسرة الواحدة مما هو شائع في دنيانا من الشرق الاوسط.
يروي ابو عدنان ، صديقي هذا ، بأنه في ليالي ام كلثوم ، كثيرا ما نزل الثوار من الجبل و جلسوا مع اخوانهم من افراد الشرطة و الجيش ليستمعوا لأم كلثوم ثم يعودون لأماكنهم. حدث ذات يوم ان اذاع المذياع اغنية ام كلثوم الشهيرة من فلم دنانير:
بغداد يا ذات القصور العالية ، دانت لك الدنيا و حياك الزمان... بغداد...بغداد ... بغداد ما ان رددت سفوح الجبل صوتها في تلك الاغنية ، حتى اجتاحت عواطف الحنين لبغداد قلوب ثوار البيش مرغة و تدفقت الدموع من اعينهم. لم يتمالكوا انفسهم حتى تركوا اسلحتهم و نزلوا الى الوادي لينضموا الى اخوانهم من قوات الحكومة ليسمعوا ام كلثوم بغداد يا ذات القصور العالية ، نسيمها ما اجمله و ماؤها ما اعذبه ، بغداد يا ذات القصور العالية،
جلسوا مع اخوانهم من قوات الأمن و الجيش، اكلوا من زادهم و شربوا من عرقهم و بيرتهم يستمعون لأغاني ام كلثوم ، ده انت فين و الحب فين ...حتى تجاوز الوقت منتصف الليل فهموا بالعودة الى معاقلهم القتالية في الجبل.
" كاكا ، انت وين رايح بهالليل. باتوا هنا و ارجعوا لمكانكم بالصبح " قال لهم نائب العريف ابو خلف.
" لا مشكور كاكا. لازم نروح اماكنا. يمكن يجون بالليل حرامية نغولة و يبوكون بنادقنا و سلاحنا."
تسللوا و عادوا الى اماكنهم في كهوف الجبل . و عند الصباح استأنفوا القتال و ضرب الرصاص الذي كثيرا ما انتهى عند صلاة المغرب دون ان يقتل او يصاب اي احد. و بعد صلاة المغرب و العشاء نزلوا ثانية الى الوادي ليشربوا العرق و يستمعوا لأم كلثوم ، انت فين و الحب فين،
تلعلع من راديو فيلبس القديم بأعلى ما يمكن من صوت. ينقله نسيم الجبل من سفح الى سفح و من قمة الى قمة بين اشجار البلوط و التفاح.
عاد صديقي ابو عدنان ليستأنف كلامه و يستدعي ذكرياته عن تلك الحرب ، حرب الجنتلمانية،
في ايام الخير. قال ، تعرف يا ابو نايل، و الله كان صوت ام كثوم و اغاني ام كلثوم احسن من كل سلاح في تهدئة المنطقة و جمع قلوبنا ، عرب و كرد ، على التفاهم و المحبة.
قلت له ، ولا تنس يا اخويه ابو عدنان ، حب بغداد. حب هذه المدينة المغروس في قلوب كل العراقيين و كل العرب و كل المسلمين ، بغداد يا بلد الرشيد و منارة المجد التليد... يا بسمة لما تزل زهراء في سفر الخلود. عافاك الله يا بغداد و اعاد اليك سحرك و حياتك الحلوة التي لن ننساها.

على صلة

XS
SM
MD
LG