روابط للدخول

كان العراق مهد معظم الشرائع. ففيه وضع حمورابي اول شريعة في التاريخ. و منها استوحى ايهود شريعتهم فدونوا في بابل الشريعة الموسوية. وفي عهد الاسلام ، اصبحت بغداد مركز الدراسات اشرعية، ظهر فيها جعفر الصادق و تلاه تلميذه ابو حنيفة ثم تلميذ ابي حنيفة ابو يوسف، وهكذا استمر العراق مركزا لهذه الدراسات. شهد منهم كاتبنا خالد القشطيني واحدا منهم ، الاستاذ حسين علي الاعظمي الذي تخرج على يديه مئات الحقوقيين العراقيين.

في هذه الايام الكالحة التي ابتليت فيها الامة الاسلامية شرقا و غربا بالمشايخ المتشددين و المتطرفين و بالارهابيين و دعاة العنف و سفك الدماء من شتى المشارب و المذاهب، علينا ان نتذكر الايام الحلوة التي تمسك الجمهور العراقي فيها بالاعتدال و التسامح و تحررت المرأة و اسفرت، و شق على المرء و استعاب ان يسأل جليسه عن طائفته او دينه، و تسمى النصارى باسم محمد و تسمى المسلمون بأسم عيسى و موسى ، و السنة باسم حسين وعلي و الشيعة بإسم عمر و عثمان. في تلك الايام الحلوة تتلمذت على يد استاذي الجليل حسين علي الاعظمي ، رحمه الله، في كلية الحقوق العراقية. كان يدرسنا درس الاحوال الشخصية ، او بعبارة اخرى ، الشريعة الاسلامية.
كان الملا حسين ، كما كان يعرف بين اهل محلته في الأعظمية بجوار الإمام ابي حنيفة النعمان، من مشايخ المسلمين عندما تأسست المملكة العراقية ، رعى الله ذكراها، يعلّم الناس دينهم و دنياهم ويفتي بينهم في شتى شؤونهم. انتدبوه لتدريس الشريعة الاسلامية في كلية الحقوق. مازلت اتذكر صوته الرخيم و ابتسامته الوديعة و لهجته الأعظمية الاصيلة، و تواضعه في الكلام . مازلت اتذكر مخاطبته لنا ، اسمع ابني.. سمعوا يا اولادي...
كان مستغرقا في النوم على سطح بيته على عادة العراقيين في الصيف، وقد دنت الساعة من منتصف الليل او تجاوزته، عندما افاقه طرق عنيف على الباب. و صوت رجل يناديه بإسمه
"ملا حسين!... يا ملا حسين!..." لم يتمالك استاذنا الجليل غير ان يطرد النوم من عينيه و يتعوذ من الشيطان. لم يشأ ان يوقض زوجته ام علي، لتنزل و تجيب على الباب في هذه اساعة المتأخرة. نهض من سريره و تناول السلم بدشداشته العراقية حافي القدمين، ونزل ليفتح الباب. وجد امامه شابا هو كذلك بالدشادشة و الطاقية ، الجراوية و العرقجين. كان شابا من فئة بسطاء الكسبة و الشغالين في المنطقة ، محلة النصة. من الواضح انه كان قد عاد توا من حانة ابو عتيشة او سواها من حانات شارع الرشيد . و رائحة ابو عتيشة تعج من فمه. في يوم ، او ايام اعتاد الناس فيها على تناول المشروبات حسب اهوائهم دون رقيب او معيب.
فتح الرجل فمه و نطق بأس و مذلة " ملا حسين ، ابوس إيدك. اعطيني فتوى. بساعة عصبية و وسوس لي الشيطان الله يلعنه، و طلقت مرتي بنت عمي و ام اولادي بالثلاثة. و انا ندمان عليها. غلطة و صارت. اريد ارجعها لكن الناس يقولون لي لا زم اجحشها بالأول! ملا ، شلون؟ هذي بنت عمي ، شلون اخلي واحد غريب يتزوجها وينام وياها؟ اريدك تحل لي هالمشكلة. خلصني"
نظر استاذي الجليل في وجهه و شمّ رائحة ابو عيشة في انفاسه. ابتسم ابتسامته الوديعة ذاتها. وضع يده على كتف الشاب ، يربت و يهون عليه، و قال له:
" اسمع ابني، هذا الإمام ابو حنيفة قدامنا يقول لازم تجحشها . و تلميذه الإمام ابو يوسف يقول لازم تجحشها. كل ائمة السنة الحنفية يقولون لازم تجحشها. لكن اسمع ابني. شأسمك انت؟ "
" يسموني فاضل ابو فطمة."
" اسمع ابني فاضل، كلهم يقولون لازم تجحشها لمرتك المطلقة بالأول. لكن آني حسين علي الأعظمي اقول لك روح ابني ورجعها لبنت عمك. اعقد عليها مهر من جديد و شهّد عليها ورجعها. و آني حسين الاعظمي خطيتك برقبتي يوم القيامة اذا اكو خطيئة سويت."
انكب الرجل على يد الاستاذ الفاضل ليقبلها و يشكره و يدعو له بطول العمر. لم انس ذلك، تلك الحكاية التي دارت بيننا في المقهى ، قهوة ياسين في راس الحواش. ولا نسيت ما كان يردده لنا من فقه الشريعة الاسلامية السمحاء: " اذا ضاق الأمر اتسع." ولا ضرر ولا ضرار، و المشقة تجلب التيسير، و كلها احكام قامت على قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.
و انصرف السيد فاضل ابوفطمة جذلا منبسطا لزوجته في ليلة من ليالي الخير و يوم من تلك الايام الحلوة. ايام التسامح . و المحبة و تحكيم العقل و المنطق. ايام الخير اللي مشت و فاتت.
XS
SM
MD
LG