روابط للدخول

محطات في بعض مواجهات الجواهري وتصدياته


الجواهري غاضبا وهو يلقى احدى قصائده في اواخر الخمسينات.. مطلع الستينات الماضية

الجواهري غاضبا وهو يلقى احدى قصائده في اواخر الخمسينات.. مطلع الستينات الماضية

انفعالات هنا، وأزمات هناك، كانت وراء ولادة العديد من قصائد الجواهري المتميزة. ولا مبالغة في القول أن لكل واحدة منها شجوناً يطول الحديث بشأنها... إلا أن مدار هذه السطور يأتي تحديداً حول عموم "تجاوزات" ردّ عليها الشاعر الكبير بمطولات "خلدت" المعتدين! ... وبإيجاز مقتضب أزعم أن ثمة نوعين من تلكم التجاوزات، ولا ندري هل يستحق أصحابها المواساة والرثاء، أم التعاطف، بل وحتى "الشكر" لأنهم كانوا سبباً ما في ولادة تلك الفرائد.

نقول نوعين من التجاوزات ونعني بهما "السياسية" مرة و"الثقافية" مرة ثانية، مع التنويه إلى تداخل الأهداف في مرات عديدة أخرى. وقد سمى الجواهري ذلك الواقع: ضريبة الابداع والشهرة، وخاصة في بعض المجتمعات، ومنها العربية... وهاكم ما يلخص بعض معاناته:

أنا عندي من الأسى جبل ، يتمشى معي وينتقلُ
أنا عندي ، وان خبا أمل ، جذوة في الفؤاد تشتعلُ
ايه يا احبولة الفكر ، كم هفا طير ولم يطر ِ


ولكم تهضَّم الشاعر تارة و"سكت مخاطباً"... أو مهدداً بالرد على "الأرذلين" عنصرياً وطائفياً وتخلفاً تارة ثانية، ثم لينضج "نضج الشواء، جلوداً تعاصت فما تشتوى"، تارات أخرى ... وعلى هذا المنوال كان الشاعر "حتف" متجاوزين "ولج البيوت عليهم يغري الوليد بشتمهم والحاجبا"... وكذلك عندما "عرت الخطوب" عام 1948 وحين استكلبت عليه ذئاب "ببغداد انماط أعاجيب" عام 1953:

يتبجحون بأن موجاً طاغياً سدوا عليه منافذاً ومساربا
خسئوا فملءُ فم الزمان قصائدي، أبداً تجوب مشارقاً ومغاربا
تستل من أظفارهم ، وتحط من أقدارهم ، وتثلُّ مجداً كاذبا
أنا حتفهم ألجّ البيوت عليهم ، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا


ومع رسوخ القامة الجواهرية الوطنية والشعرية، استفحلت "التجاوزات"، فازدادت الردود الصاعقة لينسحب بعدها "المعتدون" و"المتجاوزون" خشية المزيد من العاقبة... وان كان ذلك في الأربعينات والخمسينات، فللستينات حالاتها ووقائعها، وخاصة عندما "لم تنفقىء خجلاً عيون أبصرت وجه الكريم بكف وغدٍ تلطم"... وعندما جافى كالنسر "ديداناً صغارا" عام 1962.

وهكذا في السبعينات فقد كان لها أيضاً "حساباتها" و"نتائجها"، وكذلك ردودها المدوية على متجاوزين "وميتين على ما استفرغوا جمدوا"... وقد تواصل الدفاع وأزاح الشاعر "عن صدره الزبدا"، وعاد ليهدر عام 1974: "آليت ابرد حر جمري" محذراً انه "سيحفر لحود عارٍ لحاقدين عليه غيظاً" إذا ما لم يكفوا عن تطاولاتهم، وقد كفوا فعلاً... ولعلّ ذلك يذكرنا بالأربعينات حين قال الجواهري في أوضاع مشابهة:

بماذا يخوفني الأرذلون، ومم تخاف صلال الفلا
أيسلب منها نعيم الهجير، ونفح الرمال، وبذخ العرا
بلى ان عندي خوف الشجاع وطيش الحليم وموت الردى
متى شئت أنضجت نضج الشواء جلوداً تعاصت فما تشتوى
وأبقيت من ميسمي في الجباه وشماً كوشم بنات الهوى
قوارص لا يمحى عارهنَّ ولا يلتبس بوصف سوى


وفي الثمانينات وحينما ظن "بعضٌ" أو "كثرٌ" أن "الجواد قد كلّ" و "ان شمس الظهيرة لم تعد تغلي"، انتفض الشيخ الجليل عام 1982 بكل شمم، مواجهاً في لامية عصماء أولئك المتجاوزين: ممن حاولوا "هزّ دوحه" من "الامعات"، ثم "ليضرب فيهم اسوأ المثل"...

كم هزّ دوحك من قزم يطاوله ، فلم ينلهُ ، ولم تقصر، ولم يطل ِ
وكم سعت "امعاتٌ" أن يكون لها، ما ثار حولك من لغو ٍ ومن جدل ِ


واستباقاً لمن قد يفهم الأمور في غير مسارها، نجدد التأكيد هنا أن عنف الجواهري، وقسوته في الروائع التي نتحدث عنها، لم تأت إلا وقاية من تجاوز، وتصدياً لاعتداءات، "سياسية"، و"ثقافية"... كما هي في الوقت نفسه دفوعات عن الذات ليس إلا، وهو القائلَ:

"عندي وداع حمامة، فإذا استثرت فجوع نمر"

المزيد في الملف الصوتي

ألجواهري ... إيقاعات ورؤى
برنامج خاص عن محطات ومواقف فكرية واجتماعية ووطنية في حياة شاعر العراق والعرب الأكبر... مع مقتطفات لبعض قصائده التي تذاع بصوته لأول مرة... وثـّـقـهـا ويعرضها: رواء الجصاني، رئيس مركز ألجواهري الثقافي في براغ... يخرجها في حلقات أسبوعية ديار بامرني.
www.jawahiri.com
XS
SM
MD
LG