روابط للدخول

الدكتور سعد الصالحي: سبع رُمَّانات في يد واسعة!


الفنان الدكتور سعد الصالحي

الفنان الدكتور سعد الصالحي

قبل التعريف بضيف [مو بعيدين] لهذا الأسبوع، نحكي لكم هذا الحكاية القصيرة. فقبل حوالي تسعة وعشرين عاماً، وعندما كنت جندياً في إحدى سرايا المغاويرفي القاطع الشمالي، كانت الحرب العراقية الإيرانية على أشدِّها، والموت فيها قاب قوسين أو أدنى منا، وفي وقت ما من أوقات هذه الحرب المجنونة، كنت أتمنى العوق أو الإصابة كي أعود إلى بيتي وأسرتي!

لذلك، صرت أحلم كل يوم بعشاء مع الأسرة، أو بجلسة حميمية مع الأصدقاء، أو بلقاء شاعري مع الحبيبة. إنها أحلام "الجبهة"! وأذكر يوماً أن الإجازات الاعتيادية قد توقفت تماماً، ولم يعد أمامنا سوى الإجازة المرضية، وهذه لا تمنح إلاَّ في الحالات القاتلة، حتى إنني بقيت في الجبهة آنذاك خمسة وأربعين يوماً دون إجازة، حتى خطرت في بالي فكرة قلع أحد أسناني.. فهي الوسيلة التي أستطيع أن أحصل من خلالها على إجازة معينة. وهكذا اتفقت مع صديقي طبيب المفرزة الطبية - وهو جندي أيضاً - على تحويلي إلى مستشفى كركوك العسكري بعد أن يذكر في ورقة العيادة بأن المفرزة الطبية لا تتوفر على مستلزمات قلع الأسنان. وفي لحظة حظ لا تتكرر، وافق السيد الآمر على ذهابي إلى مستشفى كركوك العسكري، وبعد ثلاث ساعات مضنية قضيتها في الطريق وصلت المستشفى العسكري. لكن مشكلة حصلت، إذ أن طبيب الأسنان في هذا المستشفى قد رفض قلع أي سن من أسناني، لأن أسناني - كما يقول - سليمة جداً ولا حاجة لقلع أي منها. وبينما كنت أحاول إقناع طبيب الأسنان بما أعانيه من آلام وأكابده من أوجاع، دخل شاب برتبة عقيد وسأل الطبيب: خير خو ماكو شي؟ إشبيه الأخ أشو عصبي؟
فقال له: سيدي إنه يريد قلع أحد أسنانه، وأسنانه كلها سليمة فنظر العقيد إليّ بدهشة، وقال: ليش هيچ؟ هوَّ أكو واحد يشلع سن صاحي؟
وقبل أن أجيب على سؤاله، اقترب مني، ثم تمعن بي فاحصاً، وقال: آني وين شايفك؟
قلت له: لا أعرف سيدي. ولكني سأذكر لك اسمي، فعسى أن تعرفني فعلاً اسمي هو.........!
الفنان الدكتور سعد الصالحي

فصاح العقيد بصوت عالٍ بعض الشيء: أهلاً وسهلاً بشاعرنا الجميل! ومدَّ لي يده مصافحاً ثم قال: أنا الطبيب سعد الصالحي مدير شعبة الأسنان في المستشفى وآني شاعر أيضاً. ثم أخذني إلى غرفته، وأوصى لي بغداء شهي، بعدها سألني عن سبب إصراري على قلع السن، فذكرت له السبب، وقلت: إنها الإجازة!
فضحك العقيد، وقال: سأعطيك إجازة دون أن تقلع سنك، لكني قبل ذلك أريدك أن تقرأ لي آخر ما كتبته. فقرأت له نصاً غنائياً كنت قد كتبته قبل يومين، حمل عنون (لا مو أول واحد إنته). وقبل أن يسلمني نموذج الإجازة، طلب مني العقيد أن أكتب له هذا النص الغنائي بخط يدي، فكتبته له، وأخذت منه إجازتي، ثم إنصرفت ولم نلتق بعد. وقبل أسبوع فقط، وصلتني رسالة عن طريق الإيميل فيها رقم تلفون وسطر واحد، مكتوب باللهجة الشعبية البغدادية، يقول: (لك داد فلوِّحي.. آني بنيويورك.. أخوك الدكتور سعد الصالحي)!
فاتصلت به حالاً. وبعد السلام والتحية والذكريات، اتفقنا على أن نجري لقاءً إذاعياً، لنتحدث من خلاله عن إنجازات ومشاريع سعد الصالحي، لاسيما وهو شاعر أصدر مجموعة شعرية جميلة أسماها (بلاغ رقم أسكت)، وقد أثارت هذه المجموعة لغطاً شعرياً واسعاً. وهو روائي صريح، يستعد لإصدار روايته (مراثي غيلان)، فضلاً عن كونه موسيقياً أكاديمياً حيث تخرج من معهد الدراسات الموسيقية قبل خمسة وثلاثين عاماً تقريباً. وهو ملحن له عشرة ألحان جميلة، غنى من ألحانه أكثر من مطرب عراقي، وهو طبيب ناجح يشهد له سجله الطبي، وشهادات التقدير الكثيرة التي علقت على جدران قلبه. وفوق هذا وذاك، هو ذاكرة بغدادية غزيرة وواسعة، تحتفظ بالكثير من الأسماء والتواريخ والوقائع والقصائد والنوادر. وهو - كما ذكرت - ضابط كبير في الجيش العراقي، غادر المؤسسة العسكرية دون أية هنَّة أو غلطة ارتكبها طيلة عمله العسكري.
فأرجو أن تمضوا لحظات جميلة مع إبداعات هذه الشخصية الممتعة، التي كانت، ولم تزل، تحمل في يدها الواسعة، والكبيرة، سبع رمانات عراقية.
XS
SM
MD
LG