روابط للدخول

المصربيون معروفون بين كل العرب بروح الفكاهة و التنكيت . وقد اشار الاستاذ خالد القشطيني في كتابه " السخرية السياسية العربية" الى هذه الظاهرة المعروفة عنهم و شبه هوسهم بالتنكيت بهوس الانكليز بكرة القدم. وها هو اليوم يعطينا مثلا من امثلة روحهم الفكاهية.

عند فتح الكليات و المعاهد العالية في بغداد في الثلاثينات ، لاحظ المسؤولون قلة المؤهلين للقيام بتدريس المواد العلمية الجديدة. اضطروا الى الاستعانة بإخواننا من البلدان العربية الأخرى ، و على رأسها مصر و لبنان و سوريا. كان من بين من جيء بهم الى بغداد من مصر علي جارم و مصطفى كامل و احمدخليفة و جابر جاد والدكتور ابو السعود و الدكتور ، او الأحرى الدكاترة زكي مبارك، فقد كان يحمل اكثر من شهادة دكتوراه واحدة. كان في الواقع يحمل خمس دكتوراهات، فسمي بالدكاترة زكي مبارك.

كان الكثير منهم يتعاطون نظم الشعر و لو لم يشتهروا كشعراء. كان منهم علي الجارم. ما ان وصل المنتدبون العاصمة العراقية ، حتى اقيم لهم حفل كبير. و في هذا الحفل الذي حضره رئيس الوزراء و وزير المعارف ، استغل علي جارم المناسبة ليحيي مدينة بغداد بقصيدة طالما سمعناها عبر السنين و حفظناها في المدارس كتلاميذ. ومن منا لم يسمع بها:

بغداد يا بلد الرشيد و منارة المجد التليد
يا بسمة لما تزل زهراء في سفرالخلود


الى آخر القصيدة الفريدة. و القى الآخرون كلمات مختلفة في المناسبة. و بالطبع جاء المنتدبون الأخوان بأقل ما يمكنهم من العفش و الحاجيت الشخصية فخرجوا يتسوقون في السوق الكبير و مخازن بغداد الكبرى كأورزدي باك و حسو اخوان للتبضع بما يلزمهم. كان منهم الدكاترة زكي مبارك . ذهب الى مخزن اورزدي باك الذي افتتح حديثا في سوق السموئل ليشتري لنفسه بعض الملابس، و بضمنها بعض الملابس الداخلية. قصد إحدى الطاولات التي عرضت عليها القمصان والفانيلات و اللبسان. و كانت هناك فتاة يهودية شابة من حسناوات بغداد . اختار ما يلزمه من تلك الثياب ثم سأل البائعة الحسناء عن اسعارها ، فأعطته ذلك .
بيد ان اخواننا المصريين لا يدعون فرصة للهزل و المداعبة دون ان ينطلقوا فيها بقرائحهم الفكاهية . ما ان انتهت من ذكر الاسعار والدكتور يبحلق بوجهها الفتان حتى قال لها:
ان القميص لقد رضينا بسعره
اما اللباس فنزليه قليلا

مداعبة اخوية خيفة و لكن بنات بغداد لم يتعودن على هذا النوع من المعاكسة فثارت ثورة البنت على ما سمعته و اسرعت الى مدير المخزن تشكو هذا الرجل المصري الذي تحرش بها. و ذكرت له ما قاله : اللباس نزليه قليلا.
هب المدير من مكانه هو الآخر غاضبا و خرج معها الى حيث كان زكي مبارك واقفا امام الفانيلات و اللبسان. و ما أن نظر اليه حتى ادرك ان هذا الرجل الذي تشكو منه تلك البائعة الحسناء ليس الا الدكاترة زكي مبارك. بادر اليه و اخذ يده يعتذر عن ثورة البنت و يشرح لها بنفس الوقت ان هذا الرجل كبير ادباء مصر و ضيف العراق الأول ، و في آخر الطاف رجل كبير مثل ابوها.
اصطحبهما الى مكتبه و امر الفراش بأن يأتيهم بالشاي و القهوة. و بالطبع اعتذر الاستاذ الدكتور لها . و هي من ناحيتها قبلت اعتذاره بأدب و سماحة.
و لكن لم تمض ايام قليلة حتى استلمت من زكي مبارك قصيدة جميلة كاملة يثني فيها على جمالها و كبريائها فكانت هي الفائزة في تلك الأيام الطيبة من ايام الخير.
XS
SM
MD
LG