روابط للدخول

عازفا العود البير حنا و داوود سلمان.. اصدقاء مدى الحياة


سمعنا عن أطباء بدون حدود و محامون بدون حدود ، وهي المنظمة التي اقامها المستشار القانوني العراقي خالد عيسى طه، و لكننا لم نسمع بعد عن " فنانون بدون حدود" رغم ان الفنانين اكثر الناس عولمة وعالمية. ربما لهذا لا يحتاجون الى منظمة فنانين بدون حدود. وفي هذه الحكاية يروي خالد القشطيني كيف تجاوز موسيقيان الحدود و السدود ين اسرائيل و العالم العربي.

من تجاربي مع الفنانين و الأدباء انني وجدتهم إما اصدقاء مدى الحياة ، او اعداء مدى الحياة. فهذه مزاجية الفنانين و الأدباء. كان ممن عاشوا و ماتوا اعداء و خصوما مدى الحياة كان الرسام الفرنسي ماتيس و الفنان الأسباني بيكاسو. و عندنا في العراق كان الرصافي و الزهاوي ممن عاشوا في خصومة مستمرة لم يترك احدهما فرصة تمر دون أن ينال من الآخر. سألوا يوما الزهاوي عن رأيه في احمد شوقي، فقال ، شنو هذا احمد شوقي ، تلميذي معروف الرصافي ينظم شعر احسن منه. وقد جن جنون الرصافي عندما سمع بذلك.
العداوات و المنافسات بين الشعراء معروفة و شائعة ، كيف ننسى منها ما جرى بين جرير و الفرزدق. بيد أن الموسيقيين كما يلوح لي نجدهم اكثر تهذيبا و رقة، و دواما في محبتهم. و كان من اظرف ما سمعت في هذا الخصوص ما جرى بين عازف العود العراقي البير حنا و عازف العود اليهودي ، العراقي ايضا ، داوود سلمان. كان تلميذين في فرع الموسيقى من معهد الفنون الجميلة يدرسان العود على يد البروفسور سلمان شكر. و كما نتوقع نشأت بينهما على هامش ذلك صداقة وطيدة. اعتادا على الألتقاء مرارا في بيت احدهما للتمرن و العزف و قضاء الوقت معا بين الحين و الآخر. صداقة عراقية اصيلة.

بيد أن صروف الدهر يا ما تدخلت و فرقت بين الأحباب. ففي اواخر الأربعينات و اوائل الخمسينات شهدت الطائفة الموسوية في العراق ضغطا من القوميين المتطرفين . اضطر ذلك كثيرا من ابناء الطائفة الى هجرة البلاد. كانت صفحة من الصفحات الأليمة و المشينة في تاريخ هذا البلد الذي اعتاد على التسامح و التعايش الطائفي. و في غمرة هذه الموجة من الأضطهاد ، اضطر داود سلمان على الهجرة من العراق و الألتجاء الى اسرائيل. و بهذه الهجرة انقطعت العلاقة بين هذين الفنانين الصديقين.
مرت الشهور و الأعوام و ترك البير حنا ايضا العراق و هاجر الى بريطانيا. مرت الأيام و الأعوام حتى صادف ان التقى هذا الفنان الموسيقي برجل من اسرائيل. و جرى الكلام بينهما فقال له البير حنا إن لدي صديق حميم قديم كان معي في العراق و هاجر الى اسرائيل. كم اتمنى أن اسمع اخباره و اتواصل معه. قال له الرجل الغريب، من هو؟ اعطني اسمه و أنا استفسر و أتحرى في الموضوع. فاستسخف البير الفكرة . فمن أين لأحد أن يعثر على رجل من بين ستة ملايين مواطن في بلد متسع بدون عنوان و لا حتى معرفة المدينة التي يسكن فيها الشخص. قال له الرجل: " و لا يهمك . الله قادر على كل شيء قدير. اعطني اسمه. و كلا و لابد. ربما تحدث معجزة فالتقي به. ضحك صاحبنا البير على الفكرة و لكنه اعطاه اسم صديقه عازف العود داود سلمان ، مع اسمه هو و رقم تلفونه في لندن.

و مرت اشهر و اعوام. و رن جرس التلفون في بيت البير. اسرع اليه و التقط السماعة. هلو ... هلو... من يتكلم رجاء. لم يجب أي احد على سوآله . و لكنها كانت مجرد لحظات و اذا به يسمع من آلة التلفون عزفا على العود . عزفا لمقام اللامي الشهير " علام الدهر شتتنا و طرنا" ذلك اللحن العراقي الخالد. سالت الدموع من عين البير حنا وقد تذكر انه اللحن الذي كان يتمرن عليه سوية مع صديقه اليهودي داود سلمان في ايام الخير اللي فاتت. و احس بضربات ذلك الصديق و اسلوب عزفه على العود. نعم انه هو . هو لا غيره . صديقه القديم داود سلمان يكلمه من اسرائيل. داود حبيبي ، هاي وينك انت؟ عزيزي البير. اشلون صدفة هذي. ربنا يجمعنا عالتلفون.

و انطلق الصديقان يتبادلان الأخبار و التاريخ. و عزم داود على زيارة صاحبه في لندن و جاء معه بآلة عوده و نزل ضيفا على البير و عادا الى تلك الأيام القديمة، ايام الخير . يتمرنان و يعزفان معا. واحد يعزف و الآخر يستمع. و توالت الزيارات و اللقاءات. حتى عاد القدر، ئي نعم القدر، مرة اخرى ليفرق بين الأصحاب. مرض البير حنا و اختطفته يد المنون. و ما أن سمع داود بذلك حتى اسرع الى لندن ليمشي وراء جنازة صاحبه. وقف هناك على حافة القبر ، في هذه الأرض من ديار الغربة ، و اخرج داود آلته العود و الجميع ينظرون. ماذا هو فاعل ؟ نصب اوتاره بجانب التابوت و عزف لمن في التابوت نفس اللحن القديم " علام الدهر شتتنا و طرنا." و سالت الدموع جزافا من عيني العازف.
XS
SM
MD
LG