روابط للدخول

في هذه الأيام التي يجري فيها كثير من الكلام و المفاوضات و التوسطات بشأن مياه نهري دجلة و الفرات و تعرض هذين النهرين الخالدين للجفاف و الانحسار علينا ان نتذكر الأيام ، بل و السنين الطويلة التي كانت فيها مياه هذين الرافدين تفيض بالخير و تغدو مصدر وحي للشعراء والفنانين

لابد ان اذكر و اتذكر انني قضيت جل حياتي في العراق قريبا من شواطيء هذا النهر الخالد، نهر دجلة. ولدت و قضيت طفولتي في سوق الجديد من جانب الكرخ قريبا من هذا النهر. انتقلت الى الأعظمية لأعيش في محلة السفينة المحاذية للنهر. كانت اول مدرسة دخلتها مدرسة الكرخ المطلة على شريعة الجعيفر ثم انتقلت الى مدرسة العسكري على شاطيء العيواضية و الصرافية. و بالطبع و كأي بغدادي اصيل، اصبحت مقاهي شارع ابي نوآس و حاناته مرتعا لأيام شبابي. آكل السمك المسقوف و اشم رائحة الشوي و اتفرج على لهيب النار. و استلقي على رمال الشاطيء. هكذا صرت مدمنا على حياة شواطيء الأنهر. الحقيقة انني اصبحت لا استطيع ان افهم كيف يعيش بعض الناس في مدينة ليس فيها نهر.

هكذا اصطبغت حياتي بهذا العنصر النهري. اذا رسمت منظرا يمثل العراق اخذ النهر مكانه الرئيسي في الصورة. و اذا كتبت فالكثير من كتاباتي ترد من وحي ذكرياتي عن النهر. و هكذا فلي سجل طويل من ذكريات نهر دجلة ، بل فالأقل من بركات نهر دجلة. فلهذا النهر الغضوب و الحنون بركاته . و بركاته متنوعة و متشعبة.

كنت في طفولتي صبيا شاحب الوجه ، اصفر اللون ، ونحيفا جدا، او كما يقال جلد و عظم. و كانت هذه العلائم كثيرا ما ترتبط في اذهان الناس بمرض السل الرئوي الذي كان شائعا و مخيفا ايضا. كانت الإصابة به الطريق المفتوح للموت في اغلب الحالات. و كان ذلك يسبب ذعرا شديدا بين الناس. و بالطبع وقعت ضحية لهذه الدوامة بعد ان اصبح الأهل و الاصحاب يعتقدون بأنني مصاب فعلا بهذا المرض المخيف. كان الأولاد يعاكسونني و يعيرونني بأنني مسلول و سنة زمان و اموت. وهكذا قضيت صباي و شبايي و انا في هذا الكابوس المرعب، انتظر متى سيبدأ هذا المرض الخبيث بفعله فيّ و يطرحني في الفراش خائر القوى ، انتظر الزيارة المشؤومة من ملك الموت عزرائيل عليه السلام.
استفقت في احد الأيام و إذا بي قد فقدت صوتي وجفت حنجرتي. يا للهول ، قلت لنفس، بدأ المرض الخبيث يأخذ بي. انتظرت يوما و يومين و عدة أيام و لم استعد صوتي و بقيت ابح في كلامي. إنها النهاية بدون شك. كان المفروض و المعقول ان اذهب للدكتور و لكن الخوف الذي تملكني اقعدني عن ذلك. وفي محنتي النفسية هذه ، جمعت ما بقي من قواي و قررت الذهاب لإحدى الشايخانات الشعبية على شاطي ابي نوآس. سحبت كرسيا الى حافة الماء و طلبت استكان شاي. ما انتهيت من الشاي الا و شعرت بذلك النسيم العليل ، نسيم الصبا الذي خلده الجواهري في شعره:

و دجلة تمشي على هونها و يمشي رخيا عليها الصبا

احدقت بلمعان ماء دجلة متألقا يمشي على هونه و تركت نسيم الصبا يهب نحوي من خده ، يضرب مناخري و صدري كأنامل ساحر مغناطيسي سرعان ما اسلمني لنوم عميق. استفقت بعد سويعات من سباتي و شخيري و ناديت على النادل، " يا و لد ، تعال اخذ فلوسك!" ما هذا؟ تعال اخذ فلوسك ، اقولها بصوت جهوري واضح لا بحة فيه و لا خدش. كررت العبارة و رحت اكلم النادل ، و كأنني آدم عليه السلام ينطق اول مرة بالكلام. نعم لقد استعدت صوتي. ليس بي أي عيب. من يقول انني مصاب بمرض السل؟ إنني شاب صحيح البدن. و كيف يمرض انسان و الى جانبه نهر دجلة و في صدره انسام الصبا محملة بعطره و انفاسه.

يا دجلة الخير كم من كنز موهبة لديك في القمقم المسحور مخزون

دفعت ثمن استكان الشاي و عدت الى البيت و بركة نهر دجلة تملأ فوآدي و تجدد ايماني بالحياة و الصحة. و كانت مكرمة اخرى من مكارم هذا النهر الخالد التي بقيت مخزونة في ذاكرتي ، اعيدها و استعيدها كلما تذكرت العراق و انا في غربتي لا يكدرها شيء كما تكدرها انباء جفافه و انحساره . النهر الذي اشفاني من العلة غدا عليلا في هذه الأيام. فليشفك الله يا دجلة الخير كما اشفيتني من قبل لتبقي ابدا مصدرا للخيرات و خير العراقيين.

المزيد من التفاصيل في الملف الصوتي
XS
SM
MD
LG