روابط للدخول

صباح و ابو صباح


كم و كم اسيء فهم نوري السعيد رحمه الله. ومن ذلك اتهامه بضيق الصدر و الدكتاتورية و روح الانتقام ، و لكن كثيرا من الحكايات و الوقائع التاريخية اخذت تظهر و بدأ الناس اليوم ينقحون افكارهم عنه ويترحمون عليه و على ايامه ، ايام الخير. الحكاية الحقيقية التالية تكشف عن مدى تسامحه و ديمقراطيته.

نالت سباقات الخيل ( الريسز) في العهد الملكي شعبية كبيرة بين صغار القوم و كبارهم. اصبحت في الواقع هوسا عند البعض. كان منهم السيد صباح ابن رئيس الوزراء نوري السعيد. اشتهر بحبه للقمار و المقامرات ، و لكن الرهان على سباق الخيل كان شغفه الأول. ربطه ذلك بصداقة خاصة مع الكثير من الجوكية ، الفرسان الذين يركبون الخيل في المبارات. جاء على رأسهم الجوكي المعروف السيد منفي الذي نال بطولات عديدة جلبت اليه شهرة واسعة بين الجمهور. منفي، و من لم يسمع بمنفي في تلك الأيام. اصبح مثل ابو حقي في كرة القدم.
التقى به صباح نوري السعيد ذات يوم و سأله عن إحتمالات السباق التالي. كان من ممارسات الجوكية ، وهم اعرف القوم بالخيل و السباق، ان يعطوا اصحابهم المقربين ما كانوات يسمونه بالجانص، أي فرصة احتمال. يقولون لك ، او يالأحرى يهمسون بأذنك، خلي بالك، حصان ابو شليلة راح يفوز اليوم. حط فلوسك عليه. و لكنهم كانوا احيانا يغشونهم و يعطونهم جانص مغلوط. إنه جريمة غش وممنوع و لكنه شائع. إنه جزء من عالم سباقات الخيل.

التقى منفي بصباح عندما كان هذا مدير السكك الحديدية العام، فضلا عن كونه ابن رئيس الوزراء. فسأل منفي عن احتمالات نتائج سباق ذلك اليوم. فأعطاه هذا الجانص. قال له مؤكذ الحصان عنتر ابن شداد راح يفوز اليوم. حط كل ما عندك من فلوس عليه و لا تخاف. سمع نصيحته و فعل ذلك. قامر بكل راتبه لذلك الشهر. ركضت الخيل و تعالى الصياح و الهتاف و لكن عنتر جاء في آخر الجوقة و لم يفز بأي منزلة. لا اول ولا ثاني و لا عاشر.

و بالطبع احتد صباح على ما حصل و اعتبر ان منفي قد غشه عن قصد و جعله يخسر كل راتبه. ما ان التقى به حتى انهال عليه بالشتائم يا كلب ويا ابن الكلب... احتد منفي بالمقابل و رد على ابن رئيس الوزراء قائلا ، لا . انت الكلب و ابوك الكلب... احتدم الصياح و العراك بينهما حتى تدخل الآخرون للفصل بينهما.
و لكن ما ان عاد منفي الى بيته و هدأت اعصابه ، حتى تذكر ما فعله و قاله. لقد شتم رئيس الوزراء، و امام كل الحاضرين. ماذا سيفعلون به ؟ لم يستطع النوم مطلقا و قضى ليلة من اسوء ليالي حياته. قرر أنه حالما يطل الصباح ، يذهب الى مجلس الوزراء في السراي و ينتظر حتى يصل نوري السعيد فيتخضع اليه ، يبوس يده ، و يعتذر عن ما صدر منه. وهو ما فعله بالضبط . ما ان نزل فخامة رئيس الوزراء من سيارته، حتى هرع اليه ليقبل يده ، و لكن ابو صباح اقتاده الى مكتبه و طلب له فنجان قهوة و سأله عن خطبه. حكى له الحكاية و كيف انه فقد اعصابه و صدرت من لسانه تلك الشتيمة المؤسفة. قال له ابو صباح:
اسمع ابني منفي، بمدينة الحلة اكو واحد عربنجي ينقل الناس بين المحطة و المدينة. قالوا لي كلما يعثر الحصان عنده بسبب حفرة بالشارع او طسة ، يكفر بالله و ينزل على الحكومة و علي بالشتائم ، و يقول الله يلعنك يا نوري السعيد انت و حكومتك.
. و هاي كل يوم و هذه فنه. و إحنا ساكتين عنه. لا احد سأله و لا احد اخذه للشرطة. روح ابني منفي . لا تقلق بالك. اشتم مثل ما يعجبك . العراقيين هذا اسلوبهم.
و كان يوم و مرت ايام و الناس تتسامح . يتشاتمون دقيقة و يتباوسون دقيقة. طالما كانت النيات صافية ، الأيام تكون صافية و الأيام ايام خير.
XS
SM
MD
LG