روابط للدخول

أكدت ناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة انتشار ظاهرة زواج القُصّر في مناطق في كردستان العراق بالرغم من وجود نص قانوني صريح يمنع عقد أي زواج قبل بلوغ الفتى او الفتاة الثامنة عشرة من العمر. منظمات أهلية تؤكد انتحار العديد من الفتيات بعد اجبارهن على الزواج، ووجهت اللوم إلى البرلمان لعجزه عن تشريع قانون يحد من هذه الظاهرة، ومطالبات لبعض رجال الدين بعدم تشجيع زواج القُصّر.

تناولنا في الحلقة السابقة من البرنامج موضوع التقاليد والأعراف القبلية والعشائرية التي تشكل بعضها انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل والمرأة، ومنها زواج المهد، أو زواج القُصر، والزواج ألقسري، والزواج المبكر، وهي كلها تسميات متعددة لفعل واحد، هو تزويج القاصرات، وقد لا يتعدى عمر بعضهن الخمس سنوات. وتؤكد منظمات محلية ودولية تدافع عن حقوق المرأة والطفل ومنها منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) إن زواج القاصرة هو انتهاك لحقوقها، وان الإعلان العالمي ‏لحقوق الإنسان أكد ان الزواج يجب ان يكون برضى الطرفين، ولا إكراه فيه، وان لا يتم الزواج عندما يكون أي من الطرفين طفلا غير قادر على اتخاذ قراره عن علم.‏ وأكدت اليونيسف إن زواج القُصّر يتنافي مع المعايير الدولية ‏المقبولة لحقوق الإنسان، كما أن ظاهرة الزواج المبكر لصغيرات السن يعرضهن الى آلام جسدية ونفسية ويسبب لهن مشاكل صحية خطيرة.

وتؤكد المنظمة الدولية انتشار ظاهرة زواج البنات في سن مبكر على نطاق واسع في أفريقيا وجنوب آسيا، وبصورة اقل في مناطق أخرى من آسيا وشمال افريقيا وفي الشرق الأوسط. وتشير الإحصاءات التي حصلت عليها اليونيسف الى ان أكثر من 60 مليون فتاة تم تزويجهن في البلدان النامية قبل أن يبلغن من العمر 18 سنة تحت تأثير العوز والفقر والتقاليد العائلية. اليونيسف أشارت إلى وجود أسباب اقتصادية واجتماعية تشجع بعض العوائل وخاصة الفقيرة منها على تزويج بناتها في سن مبكرة، إذ تعتبر الأسر الفقيرة الفتاة الصغيرة عبئا اقتصاديا عليها، وترى أن زواجها يمثل حلا وضرورة لبقاء أسرتها على قيد الحياة. إضافة إلى اعتقاد بعض العوائل بأن الزواج المبكر يحمي الفتاة من مخاطر عديدة منها تعرضها الى الاعتداء الجنسي، كما يسهم في الحد من اقبال الفتاة على ممارسة الجنس قبل الزواج وبالتالي تفادى احتمال حمل الفتيات.

وزواج القُصّر ظاهرة موجودة ضمن التقاليد العشائرية العراقية. ويؤكد العديد انتشارها في القرى والأرياف والمناطق النائية حيث العرف والتقليد العشائري هو المهيمن، والرجل هو صاحب القرار، وبالتالي فالمرأة والطفل هما الضحايا. ومن بين المحافظات العراقية التي أكدت منظمات مدافعة عن حقوق الطفل والمرأة انتشار ظاهرة زواج المهد، أو زواج الأطفال، فيها محافظة السليمانية، حيث بدأت بعض المنظمات والمدافعات عن حقوق المرأة تدق ناقوس الخطر، وتتحدث عن مخاطر هذه الظاهرة، وارتفاع عدد ضحاياها. صحيفة ريوان النسائية نشرت تقريرا مطلع شهر تموز حول البنات اللواتي تم تزويجهن من قبل ذويهن وهن صغيرات، وتبرع أحد المحسنين بدفع مبلغ 500 ألف دينار لكل رجل يفسخ مثل هذا العقد ويطلق الفتاة ويمنحها حرية اختيار شريك حياتها.

ولتسليط المزيد من الضوء على ظاهرة زواج المهد أو زواج الأطفال, التقى مراسل إذاعة العراق الحر في السليمانية (ازاد محمد) بعدد من المختصين تحدثوا حول هذه الظاهرة ومدى انتشارها في المنطقة. وكشفت (الماس) وهي إحدى ضحايا زواج القُصّر بانها أجبرت على الزواج وعمرها 12 عاما، وقالت ان الرجل أخذها إلى بيته وكأنها أسيرة حرب.


"اسمي الماس، وانا واحدة من ضحايا هذا الزواج، عمري كان حينها 12 عاما وزوجي اكبر مني بـ 20 عاما، حيث أخذني الى قريته التي تبعد مئات الأميال عن قريتي وكأنني أسيرة حرب. في حينها لم يكن لي أي رأي أو أي إرادة، القول الأول والأخير في تحديد مصيري كان بيد أبي، الذي تبرع بي إلى هذا الرجل، وكأنني حاجة من حاجيات المنزل. ولا زالت هذه الظاهرة موجودة في منطقتنا في قلعه دزة، حيث توهب البنت وهي طفلة لأعتبارات عشائرية، ووعود تطلق من قبل الآباء أو الإخوة ونكون نحن الضحية. قبل ايام قتلت فتاة صغيرة على يد أبيها وعمها لأنها رفضت مثل هذا الزواج ورفضت الذهاب إلى بيت زوجها"

هانا شوان، رئيسة تحرير صحيفة ريوان النسائية، وعضو لجنة مكافحة زواج المهد في إحدى المنظمات النسوية، أكدت انتشار هذه الظاهرة في محافظة السليمانية، وقالت ان إحصاءات جمعتها المنظمة اظهرت وجود أكثر من1100 حالة من حالات زواج المهد في 90 قرية من مناطق (بيشدر وبيتوين). وتحدثت عن تفاصيل إحدى قصص زواج الأطفال، حيث اتفق رجل مع إحدى العوائل على ان يتزوج من 4 فتيات تتراوح أعمارهن بين الثالثة والخامسة من العمر. وأضافت هانا إن المنظمة استلمت العديد من نداءات الاستغاثة من فتيات يطلبن المساعدة والحرية خاصة بعد انتحار عدد من ضحايا زواج الأطفال. رئيسة تحرير صحيفة ريوان وجهت اللوم إلى برلمان إقليم كردستان العراق لعجزه عن تشريع قانون يحد من هذه الظاهرة، وبالتالي اضطرت المنظمة للجوء الى جهات دولية طلبا للدعم والمساعدة، وتمكنت المنظمة من دفع مبالغ نقدية (فدية او كبدل نقدي) للرجال من اجل فسخ عقود زواجهم وتحرير الفتيات القاصرات. وأكدت الناشطة النسوية أهمية أن يكون لرجال الدين دور في توعية المواطنين من مخاطر هذه الظاهرة، وإصدار فتاوى تحرم زواج المهد.

حمدية علي كريم، باحثة اجتماعية، أكدت انتشار هذه الظاهرة في مناطق كثيرة في محافظة السليمانية، وخاصة في القرى والأرياف، وعزتها الى الأمية التي اعتبرتها سببت العديد من الكوارث الاجتماعية وانتحار العديد من الفتيات.


ولكن كيف ينظر القانون المدني الى زواج القُصّر وكيف يتعامل معه؟ نيان عمر المحامية في دائرة أحوال السليمانية تقول: ان القانون واضح في هذا الشأن، اذ يمنع أي عقد زواج بين طرفين دون بلوغ أي منهما الثامنة عشر من العمر، ودون موافقة الطرفين، وتحمل الأبوين التبعات القانونية في حال سماحهما بزواج أطفالهما القُصّر.

الكثير يربط بعض العادات والتقاليد بالدين الإسلامي وشرائعه. فهل حلل الدين الإسلامي زواج الأطفال أم حرمه؟ يؤكد بعض رجال الدين وجود خلاف حول هذا الموضوع، إذ لم يجزه بعض علماء الدين، بينما يؤكد البعض الأخر منهم ان جواز زواج القُصّر يعد من أحكام الفقه، وليس من أحكام الشريعة. وان بديهيات الفقه ليس بالضرورة من بديهيات الشريعة، التي تعتبر من المسلمات، وقطعية، ولابد من الالتزام بها، في حين إن أحكام الفقه تحمل الظن والتخمين. بعض علماء الدين أكدوا إن أحكام الشريعة هي وحدها التي تحدد ما هو حلال وما هو حرام، ولكن، هذه الأحكام لم تحلل أو تحرم زواج القُصّر. الشيخ عبد الرحيم سعيد، عضو لجنة الفتوى في السليمانية، ذكر انه لا يمكن وضع زواج القُصّر ضمن المحرمات، لكنها ظاهرة فرضتها ضرورات زمن ولى، ولم تعد هناك حاجة إليها، لأنها تسبب العديد من المشاكل الاجتماعية.

تؤكد منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) ان زواج القُصّر يترتب عليه عواقب خطيرة وضارة، منها الحرمان من التعليم، حيث بمجرد تزويج الفتاة تجبر على التوقف عن الذهاب إلى المدرسة. وثمة مشكلات صحية منها الحمل قبل الأوان مما يؤدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع. كما أن الفتيات الصغار السن أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي، بما فى ذلك فيروس نقص المناعة المكتسب [الإيدز]. اليونيسف أكدت أيضا تعرض الفتيات الى سوء المعاملة، إذ أن الإناث اللواتي يرفضن الزواج، أو يخترن الشريك ضد رغبات ولي الأمر، كثيرا ما يتعرضن للعقاب أو حتى للقتل على أيدى افراد من ألاسرة وهو ما يسمى "جرائم الشرف". ودعت اليونسيف الحكومات والمنظمات المحلية الى تحذير الأسر من زواج القُصّر، وتعريف الآباء بما ينطوي عليه من مخاطر.


لمزيد من التفاصيل، استمع الى الملف الصوتي


عقود من الاضطهاد والقمع مع غياب ابسط الحقوق وانتهاكات يتعرض لها المواطن إلى يومنا هذا وجهود المنظمات الأهلية والمؤسسات الحكومية في تثقيف المجتمع وتوعيته والدفاع عن حقوقه.. حقوق الإنسان في العراق يسلط الضوء على هذه المواضيع من خلال المقابلات التي يجريها مع مختصين ومسؤولين ومواطنين.
XS
SM
MD
LG