روابط للدخول

يدور كثير من الحديث في هذه الأيام بين المغتربين العراقيين في الخارج بشأن جوازات السفر و تجديدها و انواعها ونحو ذلك من المشاكل المتعلقة بإثبات الهوية. و لكل منهم حكايته الملحمية بشأنها. بيد ان اطرف و ابيلغ ما سمعته من هذه الحكايات كانت ما رواه لي صديقي التاجر العراقي اسماعيل البنا.
كان والده السيد خليل البنا، بنا اسطة بالفعل. و كان يسكن و يعمل في مناطق باب الأغا من بغداد حيث كان يسكن عدد كبير من اليهود و النصارى. و بهذا فقد كان مسؤولا عن بناء الكثير من دورهم و اسواقهم. تميز اليهود العراقيون و برعوا في شتى الميادين ، من التجارة و الصياغة الى الصيرفة و الترجمة و الصحافة و الفنون وعلى رأسها الموسيقى. بيد ان شغلة واحدة لم يعملوا بها. وهي مهنة البناء. تركوا ذلك للمسلمين. و عندما قرر السيد داود عبدو، تاجر الساعات، بناء بيت له ، كلف خليل البنا بتشييده. انجزه له حسب الأصول. كان من التقاليد العراقية الأصيلة ، ان يقدم صاحب البيت هدية للبنا عندما ينجز العمل و يسلمه له ، اعترافا وتقديرا لعمله. فسأل خليل البنا عما يريد من هدية. أجابه قائلا ان ابنه الصغير اسماعيل قد تخرج من المدرسة الابتدائية توا و سيكون من الجميل إهدائه ساعة احتفالا بنجاحه في البكلوريا.
على العين و الراس. قال له التاجر اليهودي. ابعثه الي في الدكان لأعطيه ساعة. ذهب اليه الفتى الصغير و وقف مترددا خائفا امام الدكان في شارع الرشيد، كيف يدخل في هذا الدكان اليهودي و يطلب ساعة من صاحبه؟ و لكنه تشجع في الأخير و دخل.
- منو انت ؟ و شتريد؟"
- انا اسماعيل بن خليل البنا .
- اوه! تمام! تريد الهدية الساعة. تعال ابني تعال.
قبله من رأسه و قال له انظر و اختر أي ساعة تعجبك و خذها. نظر الصبي فرأى ساعة اوميغا ذهبية جميلة تلمع و اشار اليها. اخذها الرجل ، مسحها و شدها على يد اسماعيل الصغيرة . قبله ثانية من رأسه. " مبروك على نجاحك ابني و الله يوفقك بكل حياتك. و سلم لي عالوالد."
مرت ايام و اعوام و اسماعيل يلبس تلك الساعة. كبر و تخرج و اصبح تاجرا و انتقل للحياة في بريطانيا. كان جالسا يتفرج على التلفزيون عندما رن جرس التلفون.
- هلو! ممكن اكلم اسماعيل البنا؟
- انا اسماعيل البنا. منو انت و شتريد؟
- انا داود عبدو، تتذكرني؟ الساعجي اللي اعطاك ساعة الاوميغا.
- معلوم اتذكرك . شلون ما اتذكرك؟ انا لليوم استعمل ساعتك. خير انشا الله.
- مثل ما اعطيتك هدية اريد منك هدية.
شرح له الرجل انه يريد تجديد جواز سفره العراقي. وهو كيهودي و بعد كل ما حصل من مشاكل و بلاوي، يتردد في دخول السفارة العراقية و مطالبتهم بتجديد باسبورته العراقي. التمس من اسماعيل ان يأتي معه و يكون سندا له في تعامله معهم. اهلا و سهلا. ولكن على ايش انت د تدوخ راسك بهالشغلة؟ إحنا كلنا تركنا العراق و نعيش اليوم في بريطانيا و اخذنا الجنسية البريطانية و خلص. على ايش تدوخ راسك بالباسبورت العراقي؟"
اجابه الساعجي اليهودي. تسمح لي اخي اسماعيل. اريد اقول لك شي. انا من زمان طلعت من العراق. رحت لأمريكا و فرنسا و اسرائيل و اليوم اعيش في لندن . و لكن تصدقني؟ انا كل هالوقت ما اشعر غير اني عراقي. و انا هسة بالثمانين. و اريد اموت و انا عراقي و عندي باسبورتي العراقي بالديلاب."
حديث عجيب. و لكن صديقي اسماعيل لبى رجاءه. اخذ نفس الساعة القديمة الاوميغا. شدها على يده و ذهب لملاقاته. شوف ابو يوسف! بعدها عندي و تشتغل.
اصطحبه الى السفارة العراقية. و لحسن الحظ كان القنصل فيها صديقا له. رحب بهما. اجلسهما امامه و سقاهما الشاي العراقي. انجز المعاملة و اصدر للسيد داود عبدو جواز سفر جديد خرج به فرحا معتزا به.
بعد آونة قصيرة لفظ الساعجي ابو يوسف انفاسه الأخيرة قرير العين و ربما مات و هو يمسك بيده باسبورته العراقي.
XS
SM
MD
LG