روابط للدخول

الجزء الثاني من حديث عن المفتي والقاضي امجد الزهاوي في ايام العهد الملكي


تحدثت في الاسبوع الماضي عن مكارم الشيخ ، المفتي و القاضي، امجد الزهاوي الذي لمع اسمه و تألقت شخصيته في ايام العهد الملكي ، ايام الخير من تاريخ العراق المعاصر. وردت عنه حكايات و مآثر عديدة تطرقت الى شيء منها يوم الخميس الماضي و ارجو ان تكونوا قد استمعتم اليها ، فقد كانت حكايات جديرة بالسماع على عكس الكثير من الغث الذي نسمعه في هذه الأيام مع الأسف.

كان رحمه الله إنسانا بكل ما يمكن ان تعنيه لفظة الإنسانية . صادفته في الطريق إمرأة في باب المعظم لم تكن له اية معرفة سابقة بها و لا هي عرفت أي شيء عنه او عن مكانته سوى العمامة التي كانت على رأسه و الجبة التي لف بها بدنه. قالت لنفسها ، لابد ان يكون لهذا الرجل بهذه العمامة و الجبة كلمة مسموعة في الدولة. ففي عالمنا من الشرق الأوسط للعمائم صولاتها و هيبتها و كلمتها. تقدمت اليه لتتوسل به. كانت الشرطة قد اعتقلت ابنها لاشتراكه في مظاهرات سنة 1948 ، سنةالوثبة التي يتذكرها اكثرنا ممن عاش في تلك الحقبة. كنت واحدا منهم و شاركت في مظاهراتها و لكنني كنت جبانا فهربت و لم تستطع الشرطة اعتقالي.

كأي ام حريصة على سلامة اولادها ، راحت تلك المرأة تتوسل بالشيخ امجد الزهاوي و تلتمس منه التدخل لدى السلطات لإطلاق سراح ابنها من السجن. إنه بريء، و الله العظيم هذا ابني بريء، راحت تردد و تولول دون ان تعرف ما الذي كان ولدها قد قام او لم يقم به. و كذا فعل الشيخ، و لكنه طمأنها و وعدها بأن يبذل جهده من اجل إلإفراج عن ابنها دون ان يعرف أي شيء عن موضوعه او جرمه.

عاد الى البيت ، نزع جبته و عمامته ، و تناول التلفون ليكلم جلالة الملك فيصل الثاني تغمده الله برحمته. لم يكن يعرف من يكلم في هذا الموضوع غبر الملك نفسه. هكذا حدث نفسه ، إنه سيد البلاد و هو الذي بيده امورها. ادار الرقم على البلاط الملكي و اجابه عامل التلفون : المن تريدون؟ اجابه قائلا: اريد فيصل افندي! كان الشيخ الزهاوي مازال يعيش في تراث الآداب العثمانية . الأفندية هم صفوة القوم و افترض الشيخ ان يكون هذا هو اللقب الجدير بالملك. افندي. فهو يلبس سترة و بنطلون و ليس جبة و عمامة او جراوية. لم يكن امجد الزهاوي قد الم بالألقاب الجديدة ، صاحب الجلالة و صاحب السمو و صاحب الفخامة و صاحب السعادة و هلمجرا.

"ابني ، اعطيني فيصل افندي." قال. ويظهر ان عامل التلفون قد اهتز بهذا الخطاب. أن يكون هناك من يخاطب الملك بلفظة افندي. لابد ان يكون هذا الشخص شخصا مهما. فبادر على الفور بفتح الخط على الملك فيصل الثاني مباشرة في مكتبه الخاص. فحدثه عن الموضوع ، موضوع هذه الإمرأة و ابنها البريء المعتقل و التمس من الملك ان يقوم بدوره و يأمر بإطلاق سراح هذا التلميذ الشاب و يعيده الى اهله. طمأنه حلالته على ذلك ، بأنه سيستعمل سلطته و يأمر بالإفراج عن هذا الشاب. شكره الشيخ سلفا عن حسن صنيعه. " بارك الله فيك و امد في عمرك." وهو ما حصل. بارك الله به و لكنه لم يمد بعمره. فبعد سنوات قليلة اطلق المجرمون الرصاص عليه و قتلوه.

لم يكن امجد الزهاوي قد اغلق التلفون و انصرف لتناول عشائه حتى رن جرس التلفون ثانية. مكالمة من البلاط. إنه فيصل الثاني نفسه. سماحة الشيخ ، انت لم تعطني اسم هذا الشاب لآمر بإطلاق سراحه. شنو اسمه الكامل؟

حك امجد الزهاوي رأسه . فكر و تأمل. الحقيقة إنه لم يسأل المرأة المذكورة عن اسم ولدها. كيف فات عليه ذلك؟ اخبر جلالته انه في الواقع لا يعرف اسم هذا الشاب.و حكى للملك حكاية تلك المرأة. لا معرفة له بها. صادفته في الطريق و توسلت به ان يتوسط للإفراج عنه.

قال له الملك. و لكن كيف سأطلق سراح من لا اعرف اسمه. هناك عدد كبير من المعتقلين في السجن . و لا يدري من منهم ذلك الشاب. فأجابه امجد الزهاوي ، و انتو ليس حابسين كل هالشباب؟ فكوا عنهم كلهم و خلي هالوليد يطلع وياهم.

لم يجد جلالة الملك بدا من ذلك. لقد وعد الشيخ المرأة بلإفراج عن ابنها ، و وعد الملك الشيخ الزهاوي بتلبية ذلك . و لم يبق بيده غير ان يطلب من المسؤولين إطلاق سراح كل هذه الجوقة من المعتقلسين الشباب وهو ما كان. وهو ما جرى في ذلك اليوم من ايام الخير، ايام الخير اللي فاتت ويا اهلها من اهل الخير
XS
SM
MD
LG