روابط للدخول

سوق السراي وشارع المتنبي .. عالم الكتب والثقافة والذكريات


خالد القشطيني

علينا جميعا، نحن أبناء العراق، ان نتذكر و نذكر بالخير كل اؤلئك الرواد الذين ساهموا في أيام الخير ببناء كيان العراق الحديث و عملوا على النهوض به. كثير منهم جنود مجهولون قلما ورد لهم ذكر. من هؤلاء الرجال السيد عبد الأمير الحيدري. ما ان ثار العراقيون و حصلوا على استقلال بلادهم، حتى باشر هذا الرجل بنقل مكتبته التي كان افتتحها في الكاظمية الى سوق السراي ببغداد باسم المكتبة الأهلية عام 1921، سوق السراي قرين شارع المتنبي . هذا الشارع الذي يعتز به العراقيون وقد أعادوا عمرانه الان في حلة قشيبة. خلف السيد عبد الأمير أربعة أولاد أثنين منهم واصلا نهج أبيهم في تعزيز نشر الكتاب والمعرفة والثقافة.من خلال مكتبتيهما ، مكتبة الحيدري والمكتبة الأهلية وهما السيد كاظم و السيد شمس الدين، بادر شمس الدين الحيدري الى اقامة أول معرض للكتاب العراقي في الخارج عندما اقام هذا المعرض في القاهرة عام 1964 تحت رعاية نائب رئيس الحكومة المصرية و السفير العراقي السيد رجب عبد الكريم. حضر المعرض نفر من إعلام الأدب في مصر كان منهم طه حسين و عباس محمود العقاد. و من الطريف ان عباس العقاد توجه لسوآل السيد الحيدري و قال له: "يعني فيه ناس كتير يقرون في العراق؟" لم يكن الأديب المصري الكبير قد سمع بعد بالقول المأثور: المصريون يكتبون و اللبنانيون ينشرون والعراقيون يقرأون.

بيع الكتب ليس بالعملية التجارية الصرفة. مثلما لا يشتري الكتاب غير من يحب القراءة نجد ان لا احد ينشر و يبيع الكتاب غير من يحب الكتب و الثقافة. وهو ما انطبق تماما على السيد كاظم الحيدري. من المأثور عنه قوله انه لم يبع كتابا لم يكن قد قرأه من قبل. اتذكره جيدا معتمرا بسيديته، عمامته الخضراء، جالسا في دكانه في سوق السراي متصفحا كتابا او مجالسا أديبا او شاعرا ، بينما شقيقه شمس الدين الحيدري اتخذ من مكتبته " الاهلية " في شارع المتنبي على الجانب المقابل لمخبز الجيش العراقي "الأكمكخانة". مكانا تجلى فيها احترامه للكتب و القراءة و البحث فكان يفتح مكتبته للتلامذة و الباحثين ليجلسوا ضيوفا عليه داخل المكتبه و يفتحوا ما يشاؤون من الكتب و يقرأون و يكتبون ملاحظاتهم. في كثير من الاحيان كان يندمج معهم في مناقشة هذا الكتاب او ذاك و يوجههم الى ما كانوا يبحثون عنه. يروي السيد مؤيد الحيدري، ابن شمس الدين، انه جاء يوما رجل لابيه يسأل عن كتاب ما، فقال له الحيدري " آسف ما عندي هذا الكتاب."

كان السيد مؤيد قد لاحظ عدة نسخ من هذا الكتب على الرف ، فقال لوالده ، " لكن هذا الكتاب موجود على الرف." فغمزه بنظرة خاصة تعني اسكت أنت. و بعد ان انصرف الزبون خائبا من الدكان قال لمؤيد : ابني هذا الرجِال موقد هالكتاب. عيب علي ابيعياه. .!"

بهذا القدر كان احترامهم للكتب و الثقافة و العلم. و على عكس ذلك تماما، كان يخفض سعر الكتاب الى حد الخسارة إذا وجد الزبون جديرا به و محبا حقا للثقافة و الأدب.
للكتب و القراءة مكانة خاصة في قلوب السلمين مصدرها و اساسها مكانة القرآن الكريم في قلوبهم و تلاوته على ألسنتهم. اتذكر من ذلك صديقي اسماعيل البنا. ضاق بيته بالكتب الثمينة و المجلدة أغلى تجليد، كتاب الأغاني، و العقد الفريد و تاريخ الطبري ونحوها. قال اريد ان أتخلص منها فلم يعد البيت يتسع لها وزوجتي تعبت من تنظيفها . نظرت الى كل هذه المجلدات المكدسة فقلت له، يا ابو سامي هذي كتب تسوى كثير. بيعها لمكتبة الحكمة. انتفض قائما و قال "اعوذ بالله . تريدني ابيع هذي الكتب؟ الكتاب حرام ينباع. الكتاب للقراءة مو للبيع.

و بهذه النظرة، نظرت هذه الأسرة الكريمة، اسرة الحيدري الكاظمية، الى التعامل بالكتب و إعلاء شأن الكتاب العراقي في تلك الأيام من ايام الخير و خير الثقافة العراقية المتحررة.

على صلة

XS
SM
MD
LG