روابط للدخول

يا عيني علی المسرح العربي


خالد القشطيني

قال أجدادنا من طلب التفسير كفر ومن طلب الكيمياء افتقر. آن لنا أن نطور القول بما يساير العصر الحديث فنقول، ومن اشتغل في المسرح انتحر. لكل الفرق المسرحية في البلدان العربية حكاياتها المأساوية. انها هي بحد ذاتها تراجيديا كوميدية، او كوميديا تراجيدية، يصدق ذلك بصورة خاصة عندما يكون المسرح ناشئاً كما كان الحال عند تأسيس المملكة العراقية في العشرينات.

ففي العهدى العثماني لم يكن في بغداد و لا في اي من المدن العراقية اي مسرح . و اقتصر هذا النشاط الفني الادبي على ما كانت تقدمه المطربات و يؤديه الشعاعير في المقاهي و المحلات العامة في مناسبات الأعياد و نحو ذلك من الأحتفالات. عندما تأسست المملكة العراقية لم تكن هناك اية فرقة مسرحية فاقترحوا على الحكومة بناء مسرح وطني. اجاب الوزير المسؤول قائلا: «نحن نبني مدارس ومستشفيات والوطنيون يتهموننا بالتبذير وببناء قواعد عسكرية ، تريدون منا الآن ان نبني شانو؟ الشانو هو، المكان الذي ترقص عليه الرقاصات.

في غياب اية قاعة مناسبة، دأبت الفرق على تقديم اعمالها في دور السينما والملاهي التي افتتحت مؤخرا في عهد الانتداب البريطاني. و من الطريف ان الكثير من نجوم هذه الفرق نضجوا و تولوا مسؤوليات كبيرة في الدولة فيما بعد مثل نجيب الراوي. و كانوا ينظرون الىعملهم في المسرح كخدمة وطنية و ليس كعمل فني. من بين هذه الفرق كانت هناك فرقة الزبانية التي ترأسها الممثل الكوميدي ناجي الراوي. استولى عليه السرور والحماس عندما تسلم دعوة من حسقيل سليم صاحب سينما رويال في شارع الرشيد للتمثيل هناك. حدث ان احترق جهاز العرض، ولم يكن هناك من يعرف كيف يصلحه في العراق فتعطلت السينما. وعندئذ فكر صاحبها اليهودي بايجارها الى فرقة تمثيلية لسد الفراغ وتحويل السينما الى مسرح.

اتفقا على ايجار السينما بثلاثين دينارا في الاسبوع. تم ذلك وبدأ الممثلون بالتمرين لمسرحية يوليوس قيصر لشكسبير. بالطبع لم تكن هناك وسائل للاعلام والاعلان. الشيء الوحيد الذي كانوا يفعلونه هو ان يستأجروا رجلا يقف امام القاعة ويضرب على الطبل ويتوسل بالمارة ان يدخلوا لمشاهدة اعظم تراجيديا من تأليف الخواجة الانكليزي وليم شكسبير، واذا ما تعجبكم نرجع لكم فلوسكم.

بعد كثير من التطبيل والتوسل استطاعوا بيع سبع بطاقات، خمس منها نقدا واثنتان بالاقساط على نهاية الشهر. لاحظ الحاج ناجي ان سبع بطاقات لا تسد حتى أجرة القاعة، فأمر بتأجير العرض من السابعة حتى الثامنة، عسى ان يأتي زبائن آخرون. وهرع الى صاحب الطبل يتوسل به ان يكثر من التطبيل والصياح، هلموا لأعظم تراجيديا من الخواجة شيخ زبير.. الخ.

حلت الساعة الثامنة ولم يحضر احد. اخروا العرض حتى التاسعة، املا في ان بعض السكارى سيخرجون من الحانات ولا يعرفون اين يتوجهون ويشترون بعض التذاكر وينامون في القاعة. وعندها بدأ الحاضرون بالاستياء والاعتراض و ملوا كل هذا الانتظار الطويل وراحوا يطالبون بفلوسهم. خرج احد الممثلين على المسرح ليعتذر لهم عن التأخير وقرب البدء بالمسرحية، ولكن المسرحية لم تبدأ وعاد الحاضرون الى الضجيج والضرب على الكراسي. خرج اليهم ناجي الراوي في الأخيرمدججا في ثياب ماكبث وسيفه بيده وخاطبهم قائلا: «اسمعوا هنا، انتو سبعة واحنا الممثلين عشرين واحد، تسكتون وتصيرون اوادم وإلا ننزل عليكم بسيوفنا ونكسر رؤوسكم؟!».

و لم يبق بيد الحاضرين غير ان يتمسكوا بالصبر حتى بدأت المسرحية و بها تقريبا بدأت حياة المسرح العراقي فسرعان ما ظهر حقي الشبلي و يحي فايق و جعفر اغا لقلق زادة ممن عانوا و جاهدوا من اجل إقامة المسرح العراقي في تلك الأيام من ايام الخير، ايام البناء و التطور.

على صلة

XS
SM
MD
LG