روابط للدخول

أسباب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة


فارس عمر

منذ قيام الثورة الاسلامية اتسمت سياسة ايران الخارجية بالمواجهات مع القوى الغربية ، لا سيما الولايات المتحدة. ولهذه السياسة ثمنها الباهظ بما في ذلك تهديد ايران مؤخرا بفرض عقوبات جديدة ضدها إذا لم توقف انشطة تخصيب اليورانيوم. عن الاسباب التي تدفع ايران الى اعتماد مثل هذه الاستراتيجية المكلفة وما إذا كانت هناك مكاسب تستحق المضي فيها ، أعدت اذاعة العراق الحر التقرير التالي.


بعد ثلاثين عاما منذ قيام الثورة الاسلامية اعتاد العالم على سماع القادة الايرانيين يلعنون الولايات المتحدة. وما قاله الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الاسبوع الماضي في كرمنشاه غربي ايران لم يشذ عن هذه القاعدة:
"الذين يقولون انهم يريدون إحداث تغيير فان التغيير يتمثل في الآتي: عليهم ان يعتذروا للأمة الايرانية وان يحاولوا التكفير عن ماضيهم الاسود وكل الجرائم التي ارتكبوها بحق الأمة الايرانية والتعويض عنها".

كان احمدي نجاد يتحدث ردا على اشارات من الولايات المتحدة بأن البلدين ينبغي ان يجدا طريقة لبحث القضايا التي تجعل البلدين يناصبان احدهما الآخر العداء. ومن هذه القضايا ان الجمهورية الاسلامية تتهم واشنطن بالعمل على تقويضها خدمة لمصالح اميركا الخاصة. وهي ترى في ذلك سابقة تتمثل بتمويل الولايات المتحدة وبريطانية لاطاحة رئيس الوزراء الايراني محمد مصدق عام 1953 بعد اقدامه على تأميم النفط.

واشنطن من جهتها تتهم طهران بمحاولة انتاج اسلحة دمار شامل وصواريخ بعيدة المدى ودعم منظمات ارهابية ومحاولة اجهاض عملية السلام في الشرق الأوسط.
وهذه اسباب كافية للجفاء بين أي بلدين ولكن قد تكون هناك عوامل أخرى ايضا.
جينيف عبدو خبيرة بشؤون الشرق الأوسط في مؤسسة Century Foundation للابحاث في واشنطن وهي ترى ان سياسة طهران في مواجهة الغرب وحلفائه طريقة يجدد بها النظام الايراني شرعيته الثورية بأعين الرأي العام الايراني:
"هذه المواجهة تتيح بكل تأكيد لنظام الحكم أن يرسِّخ وجوده. فالثورة الاسلامية أرست بقاءها في الحقيقة على ركنين أساسيين. احد هذين الركنين هو فلسفتُها في معاداة اسرائيل والولايات المتحدة والآخر دعمُها للجماعتين المقاوميتن ، حزب الله وحركة "حماس". وهذا ما يجعل الأمر إشكاليا بصفة خاصة عندما تحاول ادارة اوباما ان تتوصل الى طريقة للتعامل مع ايران. من المستبعد ان تتراجع ايران عن هذين الموقفين ، وهذا هو التحدي الذي كان يواجه كل الادارات الاميركية منذ قيام الثورة".

المرة الوحيدة التي لاحت فيها امكانية التخفيف من حدة التوتر بين البلدين كانت بعد انتخاب محمد خاتمي في عام 1997. فان انتخاب خاتمي أسهم في تطبيع العلاقات مع اوروبا. وبادرت دول الاتحاد الاوروبي الى توسيع التجارة والسعي الى انتهاج سياسة جديدة تقوم على "الحوار البناء" مع ايران. ولكن دعوات خاتمي الى حوار الحضارات سرعان ما أسكتها المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي الذي وصف الاصلاحيين بالسذاجة أو الخيانة.

اليوم متشددو ايران يواصلون صعودهم والغرب يتخذ موقفا موحدا بصورة متزايدة في مواجهة جديدة مع ايران تدور هذه المرة حول برنامجها النووي.
وتريد اوروبا مع واشنطن والأمم المتحدة أن تتوقف ايران عن تخصيب اليورانيوم خوفا من نجاحها بالنهاية في انتاج سلاح نووي رغم ان طهران تقول انها لا تريد من أنشطتها النووية إلا تصنيع وقود لمفاعلها النووي.

وأدت هذه المواجهة الى ثلاث جولات من العقوبات التي تستهدف المؤسسات الايرانية ذات العلاقة بالبرامج النووية والصاروخية. كما سعت واشنطن الى اقناع المصارف العالمية بقطع علاقاتها المالية مع ايران. واعلنت مجموعة توتال النفطية الفرنسية العملاقة انها ستوقف الاستثمار في تطوير احد حقول الغاز الايرانية الكبيرة.

مثل هذه الاجراءات يمكن في النهاية ان تضر بالمواطن الايراني الاعتيادي ثمنا لسياسة المواجهة التي تتبعها الجمهورية الاسلامية في علاقاتها الخارجية. وهي يمكن ان تحد من قدرة الاقتصاد الايراني على النمو واستيعاب مئات الالوف من الشباب الايراني الذين يدخلون سوق العمل كل عام. ولكن جينيف عبدو تقول ان النظام الايراني مصمم على مقاومة الضغوط الخارجية والمفارقة ان التحرك الذي يقوده الغرب لحمل ايران على التراجع في الملف النووي قد يعزز مواقع النظام في الحقيقة:
"يكاد يصبح من الكليشات ان يقال ، في واشنطن على الأقل ، ان الرأي العام الايراني مع البرنامج النووي وان النظام قادر على تعبئة الشعب حول هذه القضية. ولكن هذا صحيح. واعتقد ان القوة النووية بحد ذاتها ليست ما يريده الايرانيون ، بل القضية الأكبر ، وهي انهم يريدون اعتراف المجتمع الدولي بشرعية النظام. يريدون اعترفا بأنهم بلد من حقه ان يسعى الى بناء قوته الرادعة وان يكون قادرا على ممارسة حقه في تطوير قوة عسكرية نووية ، على غرار جيرانه. فهم ينظرون الى باكستان وينظرون الى اسرائيل وينظرون الى قوى نووية أخرى ويشعرون بالعزلة لا لشيء سوى لأنهم ايرانيون".

ان القوى الغربية ادراكا منها لذلك لم تلوح بالعصا فحسب بل قدمت الجزرة ايضا على شكل حوافز تجارية ومساعدة نووية تكنولوجية إذا اوقفت ايران تخصيب اليورانيوم. ولكن الصيغة التي تجمع بين العصا والجرزة لم توجد بعد ويبقى ان ننتظر لنرى ما سيكون موقف ايران من الاستعداد الذي ابداه اوباما للتحادث معها.

في غضون ذلك تتصدى ايران للمساعي التي يقودها الغرب من أجل عزلها بتأكيد نفوذها في المنطقة ومنها العراق.

على صلة

XS
SM
MD
LG