روابط للدخول

لعنــة النفــط


اياد الكيلاني وتقديم حسين سعيد

اعداد قد يتبادر للمرء أن الدول الاستبدادية الغنية بمواردها النفطية محصنة في وجه التغيير، وذلك لما لديها من أموال طائلة تستخدمها لقمع معارضيها ولإدامة حكمها. لكن هذه الأنظمة انفسها تتعرض إلى تحديات، وذلك حين يطرأ انخفاض كبير وسريع في أسعار النفط، مثلما هو الحال في الوقت الحاضر. مراسل اذاعة العراق الحر تشارلز ريكناغل يسلط الضوء على موضوع النفط والديمقراطية.

الثراء النفطي هو أحد أكثر أشكال الثراء تقلبا في العالم، فحين تكون أسعار النفط مرتفعة – كما كانت في وقت سابق من هذه السنة حين وصل سعر البرميل الواحد الى 150 دولارا – تحصل الدول الغنية بالنفط على عائدات كبيرة. أما لدى هبوط الأسعار كما هو جار منذ اشهر اذ هبط سعر البرميل الى اقل من 40 دولارا فتتعرض عائدات هذه الدول إلى الانكماش المفاجئ.

إن التراجع في قدرة الدول الغنية بالنفط على الإنفاق من شأنه أن يؤثر بشكل دراماتيكي على قابلية حكومات تلك الدول على الاحتفاظ بأنظمة الوصاية التي تبقيها في السلطة، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تغييرات اجتماعية مهمة أو إلى غليان شعبي والى العنف، كما يقول غاوس مؤلف كتاب (الأنظمة الملكية النفطية):

"سبق ان كنّا شهودا في أواسط وأواخر الثمانينيات وأواخر التسعينيات على مثل هذه الأزمات عندما تعرضت أسعار النفط إلى الانخفاض. ويمكن لهذه الأزمات أن تسفر أحيانا عن سياسة أكثر شفافية، أو عن حروب أهلية دموية، كما في الجزائر. لكن أسعار النفط حين تنخفض فانها تدفع الأنظمة التسلطية التي كانت تعتمد على أموال النفط الضخمة، الى التخبط بشكل قد يجعلها تزيد من الانفتاح في نظامها السياسي، أو الانهيار."

ويوضح غاوس وهو أستاذ للعلوم السياسية بجامعة فيرمونت الأميركية بأن التراجع الحاد في أسعار النفط في الجزائر أشعل فتيل الشغب والمطالبة بإجراء انتخابات حرة. ولكن فاز حزب إسلامي جزائري بأكثرية مقاعد البرلمان تدخل الجيش من أجل الحفاظ على الوضع القائم، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية.
من حسن الحظ أن انزلاق الجزائر إلى حالة الفوضى يعتبر نموذجا شاذا، فلقد أسفر انخفاض أسعار النفط في أماكن أخرى عن إجبار الحكومات على منح المزيد من الحقوق السياسية إلى مواطنيها، كثمن لبقائها في السلطة. ويقول ريتشارد يونغيز منسق برنامج الديمقراطية بمعهد فرايد في مدريد – إن هناك معادلة تحدد متى يكون في وسع المجتمعات تحقيق تقدم في مجال القضاء على (لعنة النفط):

"تحقيق الاختراقات السياسية والديمقراطية كثيرا ما يتم في حال تزامنت الأزمة مع تزايد التوقعات. فلو ظهر خط بياني يشير إلى وجود تنمية اقتصادية تصاحبها تطلعات اقتصادية متنامية لدى الناس، فأن ذلك سيتحول إلى أزمة اقتصادية، أي إنه سيكون هناك مزيج كثيرا ما يؤدي الى إصلاحات سياسية."

ويشير يونغز إلى أن عددا من أنظمة الشرق الأوسط – بما فيها المملكة العربية السعودية – اضطرت إلى البدء في مرحلة حذرة من التحرر السياسي، حين انخفضت أسعار النفط في تسعينيات القرن الماضي أي بعد سنوات عديدة من النمو الاقتصادي.
وكانت النتيجة في السعودية أن زاد الضغط على الحكومة كي تتبنى الشفافية حول كيفية إنفاقها لثرواتها النفطية. أما في مصر فلقد ظهرت مطالبة لم يسبق لها مثيل وهي ان تقوم الحكومة بتوزيع ثروتها النفطية على نطاق أوسع، وذلك لدى ارتفاع أسعار النفط في وقت سابق من هذه السنة. كما طالبت مؤسسة الأزهر بأن تحترم الحكومة مبدأ (الزكاة) من خلال تحويلها 20% من إيراداتها من النفط والغاز إلى مواطنيها.

فهل سيسفر انخفاض أسعار النفط الآن عن ضغوط مماثلة على الأنظمة التسلطية في مناطق أخرى من العالم؟ ربما تكون الظروف مهيأة لذلك في روسيا وفي أماكن أخرى، مع سعي المسئولين إلى إشراك الناس في توقعاتهم بمتاعب اقتصادية شديدة تلوح في الأفق. فقد حذر وزير المالية الروسي الكسي كودرين في تشرين الأول المنصرم من أن ميزانية بلاده لعام 2009 ستعاني من العجز لو بقيت أسعار النفط دون مستوى 70 دولارا للبرميل. وكانت روسيا خلال السنوات الأخيرة قد عولت على أسعار النفط المرتفعة في دعم أسعار الطاقة في الداخل، وفي مجموعة كبيرة من برامج التجديد الاجتماعي، وفي ادخار أموال في (صندوق للاستقرار) يكفل التعامل مع الأزمات المالية، الأمر الذي زاد من شعبية الحكومة وأتاح لها استعادة تركيز السلطة في مركز الحكم.

إلا أنه ربما سيترتب على الكرملين الآن أن يختار بين استمراره في احتكار السلطة من خلال إبقائها لمستويات الإنفاق السابقة، وبين السعي إلى نيل التأييد الشعبي لإجراءات تقشفية من خلال توسيع العملية السياسية في البلاد.

أما طبيعة الضغوط الشعبية التي قد تظهر فستختلف من بلد إلى آخر، ففي آسيا الوسطى وأذربيجان ربما سينبعث من أولائك الذين انتفعوا من ارتباطهم بالنخبة الحاكمة في الحصول على حصص في ثروات بلدانهم النفطية، كما يقول يونغز بقوله:
"لا أتوقع للطبقات الوسطى في آسيا الوسطى أن تحدد مصالحها من خلال معارضة الدولة، كما لا اعتقد بان لها دورا في تحقيق اختراق ديمقراطي دراماتيكي، بل أعتقد أنها تريد ان يدار الاقتصاد بموجب معايير أكثر موضوعية. هذه الطبقات هي الأكثر انتفاعا من النمو الاقتصادي المدفوع بموارد الطاقة، وهم الآن أكثر المعتمدين على النظام، مع احتمال تعرضهم إلى الخسارة في حال لجوء المتسلطين إلى استعادة الأموال."

وفي كازاخستان دأب المعارضون السياسيون والمنظمات غير الحكومية على المطالبة بقدر أكبر من الشفافية في إدارة إيرادات البلاد النفطية، وهي مطالبات قد تحقق نتائج ملموسة. فلقد أكد سيريك بولسون ابدلدين وهو سياسي معارض في كازاخستان – في مقابلة مع إذاعة العراق الحر أن الناس يريدون معرفة أسباب عدم إنفاق الأموال على البرامج الاجتماعية:
"إنه النفط، وهو يعني الكثير من الأموال. لقد جنينا أموالا كثيرة من نفطنا، تصل الى أكثر من 40 مليار دولار، إلا أن رئيسنا لم ينفق أيا من هذه الأموال لسد احتياجات الناس، بل يحتفظ بها في مصارف أجنبية. أما هنا في بلادنا فهناك مواطنون لايحصلون على ماء نقي، واخرون ليس في وسعهم إرسال أطفالهم إلى المدارس، وأناس يعانون من امراض ولم ير أي منهم حتى شبح تلك الدولارات النفطية."

على صلة

XS
SM
MD
LG