روابط للدخول

سحر كردستان ومناطقها الجميلة


خالد القشطيني

ما من كلمة صادقة كتلك التي تنطلق من لسان طفل بريء. في احدى زياراتي للعراق اصطحبت معي زوجتي و اولادي . و لحسن الحظ تضمن برنامج الزيارة رحلة الى كردستان في اواخر الشتاء.

كان ولدي نائل قد بلغ الخامسة من عمره. و من شأن الأطفال في هذه السن المبكرة في بريطانيا و الغرب عموما، ان يتعلقوا بدمية ، او لعّابة معينة. حالما يولد الطفل عندهم يسرع الأهل و الأصحاب و الجيران الى إغراق الوليد، او الوليدة، بالهدايا. و من المعتاد في ذلك السن ان تكون الهدية دمية ظريفة من الصوف الناعم. قد تكون قطة او كلبا او نمرا او أي حيوان لطيف و ظريف. منها من يضحك اذا دغدغته او يصرخ اذا ضربته او يتكلم اذا كلمته. لا تمضي عدة اشهر او عدة سنوات حتى تمتليء غرفة الطفل بهذه الحيوانات الصوفية الأنيسة.

ولكنك سرعان ما تجد ان طفلك يتعلق بواحدة منها يفضلها على الآخرين. يصبح الطفل مهووسا بهذه الدمية. يصطحبها اينما ذهب و لا يأكل الا عندما تجلس امامه على المائدة و لا ينام الا و يحتضنها معه في الفراش. و من المألوف ان يطلق الطفل اسما عليها يخاطبها به.

كذا كان الحال مع ولدي نائل، الذي اصطفى من بين كل ما عنده من دمى دمية دب من الصوف الأصفر الناعم اهدته له جدته. اطلق على هذا الدب اسم بيتر بير، بيتر الدب. اعتز به ايما اعتزاز. ولكن نائل كان ماكرا في حبه لهذا الدب. فحيثما رأى علبة شكولاته او حلوى لذيذة في دكان اقام الدنيا و اقعدها حتى نشتري له تلك العلبة بحجة انه يريد ان يعطيها لبيتر الدب في البيت. فلا يمكن لأحد ان يمنع شيئا عن بيتر الدب. بالطبع تنتهي علبة الحلوى في بطن نائل. ولكنه يأكلها بالنيابة عن دبه المدلل. حيثما رأى بدلة جميلة قال هذه بدلة تليق ببيتر الدب. اصبح بيتر الدب رمزا و شعارا للجودة و الروعة و كل ما هو ممتاز و متميز في الوجود.

و في سفرتنا الى كردستان العراق ، ركبنا السيارة من اربيل متوجهين الى شقلاوة ، ذلك المصيف الرائع . و بالطبع اعطى نائل احسن مكان في السيارة لدبه المدلل. انحدرت بنا السيارة من مصيف صلاح الدين و توالت امامنا الجبال و الوديان بمناظرها الساحرة وقد اضفت عليها الثلوج البيضاء كريش البجع سحرا اخاذا خاصا زادها جمالا على جمال حتى وصلنا زاوية في الطريق استدارت عندها السيارة فلاحت امامنا رابية صخرية عالية ، او قل جبلا صغيرا متفردا و منعزلا اقيم فوقه كوخ صغير متواضع ، كوخ فلاح او مزارع او راعي غنم او حارس ليلي شيد من الحجر و الطين الصلب و احاطت به شجيرات من اشجار البلوط او الجوز. كان الدخان الأزرق يرتفع من مدخنته الصغيرة فيرسم لوحة على واجهة الثلج المنتشر على سفوح الجبال البعيدة. كانت شرائح من الثلج النظيف تغطي اجزاء من ذلك الكوخ و تكلل الاشجار بتيجانها.

بدا كل شيء كلوحة فنية ، او صورة من صور البوستكارد التجارية المغرية. منظر عجيب في بساطته و بعين الوقت في روعته. رأيت ولدي نائل يحدق النظر فيما يرى. ثم التفت الى اخيه الأصغر آدم و قال له: " انظر آدم! انظر، شوف! هذا بيت بيتر الدب. هنا يعيش بيتر الدب في هذا البلد!"

مد يديه الصغيرتين و رفع دمية بيتر الدب ليريه بيته على تلك الرابية في ذلك الطريق المهيب و نحن نقترب من بلدة شقلاوة.

وكانت في رأيي اروع تحية لكردستان العراق صدرت من لسان طفل بريء وقع في سحركردستان و مناظرها الجميلة في يوم من ايام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG