روابط للدخول

من تقاليد الحياة الاجتماعية في منطقة الخليج وجنوب العراق اجتماع الرجال في بيت أحد وجهاء المدينة فيما يسمونه بالديوان. يلتقون هناك على فنجان قهوة ثم يتبادلون اطراف الحديث في أي موضوع من مواضيع الساعة. أخذ هذا التقليد في بغداد شكل القبولات وكانت اما رجالية او نسائية.

مما تميزت به عهود ايام الخير في بغداد المجالس الفكرية الخاصة، التي نجد ما يماثلها في الكويت الآن بما يسمونه بالديوانيات. كان من أشهرها ديوان محمود الدفتري. كان الرجل يتمتع بقدر كبير من الاطلاع والذكاء حتى ان ابنته لميس ذكرت بأنه عندما تجاوز التسعين سألته قبيل وفاته عن قصيدة نظمها الشاعر التركي رضا توفيق في مدحه. وما اذا كان يتذكر شيئا منها، فراح ينشدها بأصلها التركي ولم يتوقف حتى افرغ عشرين بيتا منها.

ومما يذكر عن ابناء ذلك الجيل في العاصمة العراقية، بل وفي معظم مدن العراق الكبرى، اعتمادهم على الثقافة التركية واستخدامهم اللغة التركية حتى ضمن أسرهم. ولهذا فكثير ما اطلقوا على الرجل المثقف بأنه عصمانلي، أي مزود باللغة والثقافة العثمانية. ومما لاشك فيه ان جناب السيد محمود الدفتري كان واحدا منهم.

كان مجلسه في جانب الرصافة من بغداد مرتعا للآدباء والشعراء وكثيرا ما احتدمت المناقشات بينهم. فالتجأ الى بدعة لطيفة. كان من هواياته تربية القطط . فاذا ما احتدم النقاش بين الحاضرين في الامور السياسية، عمد الى مناداة قططه "ليلوة، ليلوة، وينك يا ليلوة؟ براقش، وينك انت يا براقش؟بش..بش..بش.." تحضر البزازين فيشغل الجالسين بها ويتلطف الجو، وينسون عالم السياسة، وما احوجنا في هذه الأيام الى بزازين السيد الدفتري لتلطف لنا مجالسنا ولتبعدنا عن كل هذه المهاترات الطائفية.

كان الدفتري رحمه الله رجلا محبا للخير والسلام والوئام. وعز عليه ان يرى الشاعرين الاكبرين في العراق، جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي في خلاف مستمر ولا يتكلمان مع بعضهما البعض في اكثر الاحيان. فرتب وليمة عشاء فاخرة دعا اليها شلة من ادباء بغداد.

كانت جلسة ادبية تاريخية بادر الحاضرون والغائبون الى تأريخها في الثامن من كانون الاول سنة 1928، أي في مطلع تأسيس المملكة العراقية.

استهل الجلسة الزهاوي بقصيدة نمت عما في نفسه من روح الفكاهة:

جمع الاديب الحر صبحي شملنا
في داره أكرم بها من دار
لو لم تكن لي لحية وسدارة
لحسبتني طيراً من الأطيار


لقد كان الزهاوي من اظرف ادباء العراق ومولعا بالتنكيت والفكاهة والسخرية، فاستأنس الحاضرون بكلماته حتى فرغ من قصيدته وجاء دور صاحبه، أو بالاحرى غريمه، معروف الرصافي.

كان العراق عندئذ في ظل الملك فيصل الاول ولكنه مازال رسميا تحت الانتداب البريطاني. وكما نعلم، كان الرصافي من اشد نقاد النظام تطرفا. تطلع الحاضرون الى ما سيقوله. وبدلا من مداعبات الزهاوي اخرج من جيبه نضدة من الاوراق. وتنحنح وقال هذه قصيدة سميتها "الانتداب"، مسك القوم انفاسهم، إذ بدأ الشاعر بتلاوة ما في جعبته من القصيد فأنشد وقال:

دع مزعج اللوم وخل العتاب
واسمع الى الأمر العجيب العجاب

ثم مضى بأبيات مقذعة على عادته فوصف الحكومة بما لا يليق بغير الامرأة العاهرة التي تخفي زينتها وزيفها وعهرها تحت عباءتها وحجابها وبرقعها، وبوشيتها، فقال:

قال جليسي يوم مرت بنا
من هذه الغادة ذات الحجاب؟
قلت له: تلك لأوطاننا
حكومة جاد بها الانتداب


يروي المؤرخ والاديب مصطفى علي فيقول انه كان مع نفر من اصدقاء الشاعر جلسوا واستمعوا اليه حتى انتهى من قصيدته، وعندئذ ساد الوجوم ولم ينطق أحد ببنت شفة، ويظهر ان حتى قطط السيد الدفتري خلدت للسكون وانصتت للشاعر، بيد ان مصطفى علي لم يذكر ما اذا كان الدفتري قد افلح في مصالحة الشاعرين الكبيرين.

ولكن انفض الحاضرون الى بيوتهم ليتناقلوا وينقلوا الى من فاتهم الحضور ابيات الرصافي. عاد الشاعر وعاد الحاضرون كل الى بيته آمنا مطمئنا. وبقيت ذكريات تلك الليلة عالقة في اذهانهم، كواحدة من تلك الليالي البغدادية الاصيلة، تلك الليالي القدامى، ليالى السلم والاخوة والامان، ليالي الايام اللي فاتت وراحت.

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي.
XS
SM
MD
LG