روابط للدخول

تـنوّع العراق وانعكاس رياح التغيير على مسيحيي المنطقة


كنيسة مريم العذراء في بغداد

كنيسة مريم العذراء في بغداد

شهد الوضعُ الأمني في يوم القيامة الذي احتفل به مسيحيو العراق والعالم الأحد حادثاً جذَب اهتماماً إعلامياً لكونِه استهدَف من جديد بثّ الرعب بين أفراد مُـكوِّن أصيل ومُتشبّث بالبقاء على أرض الوطن رغم العنف الذي يطال منذ سنوات جميع العراقيين دون تمييز.

وأدى انفجار العبوة الناسفة التي كانت مزروعة قرب كنيسة القلب الأقدس في الكرادة بوسط بغداد بعد قداس عيد القيامة إلى إصابة اثنين على الأقل من رجال الشرطة ومدنيين اثنين بالإضافة إلى إلحاق أضرار مادية بالغة.

وفي عرضها لتفاصيل هذا الانفجار وحادث مماثل وقع بالقرب من كنيسة أخرى، ذكرت صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية في مقالٍ نشرته الاثنين بقلم آرون سي. ديفيز (Aaron C. Davis) أن تقديرات عدد المسيحيين العراقيين الذين ما يزالون في الوطن تراوح بين 650 ألف و850 ألف نسمة بعد أن كانوا أكثر من مليون ونصف المليون قبل عام 2003، مشيرةً إلى مغادرة العديد منهم إما إلى دول الجوار أو كردستان العراق.

حادثُ الأحد الماضي الذي اعتبَره محللون أمنيون طفيفاً بالمقارنة مع الهجوم الإرهابي الذي استهدف في تشرين الأول 2010 مصلّين داخل كنيسة سيدة النجاة وأسفر عن مقتل 52 شخصاً جاءَ بعد يومين فقط من تصريح البابا بنديكت السادس عشر بأن الفاتيكان يعمل من أجل المصالحة في العراق. وجاءت ملاحظته في سياق حوار نادر بثّته قناة التلفزيون الإيطالية الأولى في يوم الجمعة العظيمة (22 نيسان) وأجابَ خلاله على سبعة أسئلة تلقاها من مشاركين مختارين من كل أنحاء العالم بينهم شبان عراقيون.

وفي عرضها للإجابة المتعلقة بالعراق، نقلت وكالة آكي الإيطالية للأنباء عنه القول إن "الكرسي الرسولي على اتصال بجميع الطوائف في العراق مسيحية كانت أم مسلمة، والكنيسة تعمل من أجل المصالحة وتسعى في هذا السياق إلى الحوار مع الحكومة ومساعدتها في هذه المسيرة الصعبة لإعادة بناء مجتمع ممزّق"، على حد تعبيره. كما أكد أهمية بذل قصارى الجهود كي يتمكن مسيحيو العراق من البقاء في وطنهم "ومقاومة إغراء الهجرة".

وأضاف أن "المشكلة الحقيقية في العراق هي الانقسام العميق في مجتمعه وتمزّقه، وغياب الوعي بأن التَنـوّع يخلق أمة واحدة بتاريخ مشترك، لكل فرد مكانته فيه"، لذا "يجب بناء الوعي"، ونحن "نريد في الحوار مع المجموعات المختلفة المساهمة في عملية إعادة الإعمار وتشجيعكم أيها الأخوة والأخوات المسيحيين في العراق على التحلي بالصبر والثقة بالله والتعاون معاً في هذه العملية الصعبة"، بحسب تعبير بابا الفاتيكان.

وللوقوف على أصداء هذه التصريحات، أجريت مقابلة عبر الهاتف الثلاثاء مع رئيس ديوان الوقف المسيحي والديانات الأخرى في العراق رعد عمانوئيل الذي قال لإذاعة العراق الحر:
"نؤيد أن الكرسي الرسولي يعمل على تقارب الأديان ويقوم بحوارات مع كافة الأديان والطوائف، ويتصل دائماً بطوائفنا المسيحية ورؤسائها. كما نؤيد ما قاله قداسة البابا في شأن عدم تشجيع المسيحيين على الهجرة لأن جذورنا مرتبطة هنا في العراق..........".

وأضاف عمانوئيل أن "العراقيين جميعاً يتعرضون لأعمال عنف.... المسلمون والمسيحيون والصابئة المندائيون واليزيديون وكافة الأقليات الأخرى الموجودة في العراق جميعهم يتعرضون للعنف، ولكن هذا العنف تراجع كثيراً والوضع الأمني تحسّن وهو أفضل مما كان عليه في السابق......".

من جهته، قال الأب نديم نصار مدير مؤسسة (وعي) التي تتخذ لندن مقراً وتعنى بتقارب الأديان والفهم الصحيح بين الشرق والغرب "عندنا المحبة والشوق لأن يعود العراق والشرق الأوسط منارة للثقافة والإيمان والتعايش لأن منطقتنا هي منذ قرون ومنذ الأزل مركز متعدد حيث يتعايش الجميع بمحبة واحترام لمعتقدات وتقاليد الآخرين.... المسيحية باقية في الشرق ولن تخرج لأننا لسنا ضيوفاً، وكوننا كذلك يعني أننا شركاء مع المسلمين ومع كل الديانات الموجودة في بناء هذه البقعة التي اختارها الله لكي تكون مهد الديانات السماوية.......".

وفي المقابلة التي أجريتها معه عبر الهاتف الثلاثاء، تحدث نصار أيضاً عن أهمية التصريحات الأخيرة التي أدلى بها بابا الفاتيكان في شأن المصالحة في العراق. كما أجاب عن سؤال يتعلق بالتعددية التي تُـميّز المجتمعات البشرية مشيراً إلى أنه حتى في داخل الدين الواحد "هناك تعددية..بل أن رسالة الخالق هي أن التعددية من صلب الخليقة، ولذلك لا يمكن إلغاء الآخر بالقول إنه مختلف.....".

وعلّق على ما أوردته صحيفة بريطانية بارزة أخيراً في شأن استمرار التـنوّع الذي تتميز به مجتمعات الشرق الأوسط تحديداً والتي يُخشى من انعكاسات سلبية محتملة لرياح التغيير على الأقليات الدينية فيه.

وكانت صحيفة (غارديان) اللندنية نشرت في السادس عشر من نيسان مقالا بقلم جيرالد بات Gerald Butt تحت عنوان (مخاوف على مسيحيي الشرق الأوسط في أعقاب الربيع العربي) تحدث فيه عن انعكاس الانتفاضات العربية التي تطالب بالحرية على مسيحيي دول المنطقة قائلاً إن الوقت ما يزال مبكراً لمعرفة شكل وطبيعة الأنظمة السياسية التي سوف تتمخض عنها رياح التغيير "ولكن بينما تتنافس جماعات متعددة من أجل تشكيل الأحزاب للمشاركة في الانتخابات فإن ثمة إشارات على أن الجالية المسيحية الصغيرة والمتضائلة في الشرق الأوسط لن تكون ضمن المستفيدين."

وفي سَردِه لحالة التغيير في مصر، يشير إلى ما يصفها بمحاولات استغلال جماعات أصولية لأجواء الحرية من أجل تشكيل أحزاب تتبنى إيديولوجيات قائمة على استبعاد الآخر ولا تتوافق مع مفهوم المواطَنة. ثم يخلص إلى القول إن المفارقة في الانتفاضات هي خروج المسلمين والمسيحيين العرب إلى الشوارع معاً بشكل جماعي للمطالبة بالتغيير "دون أن يلتفتوا للزعماء السياسيين أو الدينيين"، مضيفاً أن المطلوب في المرحلة الجديدة من السياسة العربية "حركة قادرة على ضمان تـنوّع هؤلاء المحتجين على نحوٍ يتجاوز انتماءاتهم الطائفية".

مزيد من التفاصيل في الملف الصوتي الذي يتضمن مقابلتين مع رئيس ديوان الوقف المسيحي والديانات الأخرى في العراق رعد عمانوئيل، ومدير مؤسسة (وعي) الأب نديم نصار في بريطانيا.
  • 16x9 Image

    ناظم ياسين

    الاسم الإذاعي للإعلامي نبيل زكي أحمد. خريج الجامعة الأميركية في بيروت ( BA علوم سياسية) وجامعة بنسلفانيا (MA و ABD علاقات دولية). عمل أكاديمياً ومترجماً ومحرراً ومستشاراً إعلامياً، وهو مذيع صحافي في إذاعة أوروبا الحرة منذ 1998.

XS
SM
MD
LG