روابط للدخول

حلقة اليوم: ايام رمضان، ايام الحكايات و الطرائف


خلد قشطيني

كما قلت في حديث سابق ، ايام رمضان من ايام الحكايات و الطرائف، يرويها المسلمون لإزجاء الوقت و قطع الساعات الطويلة من ساعات الصيام و تعلولة امسيات الفطور ، و هكذا جرى عندما سمعت هذه الحكاية الطريفة ، التي لا يسعني غير ان اشارك بها حضرات المستمعات و المستمعين في هذه الايام المباركة.

تولى القضاء في محكمة الاحداث في بغداد في الخمسينات، في ايام الخير، الاستاذ محي الدين. لا اتذكر اسمه الكامل ، فقد كان قاضيا على الاحداث، على الصغار، و الصغار لا يتذكرون من الكبار غير اسمهم الاول ، مثلما لا يتذكر الكبار من الصغار غير وقائعهم و بلاويهم و مصايبهم.

بحلول شهر رمضان الشريف ، عزم الاستاذ محي الدين على الصوم ، ربما لأول مرة في حياته ، لأنه عندما فتش عن المصحف الشريف لتلاوة شيء من الذكر الحكيم في المناسبة ، على عادة سائر المتقين، لم يجد اي نسخة من القرآن الكريم في البيت. فبعث بالخادم ليأتيه به، لا من سوق السراي ، سوق الكتب القديم من مدينة بغداد، و انما من المحكمة حيث توجد نسخة قديمة يستعملونها لأداء اليمين عند الشهادة. فجاءه الخادم بها. وقام القاضي الفاضل بما يلزم من التلاوات.

عاد في اليوم التالي الى المحكمة ليقوم بواجبه للمخلوق مثلما قام بواجبه للخالق في اليوم السابق. و شاءت الصدفة ان تتضمن جلسات المحكمة شهادة من والد احد الاحداث المتهمين ، و اقتضى ذلك منه ان يؤدي الشهادة بعد القسم. فتشوا عن المصحف ليضع عليه يده و يقسم فلم يجدوه. فراح كاتب الضبط يولول و يشتم، " الله اكبر، يعني بهالبلد يسرقون حتى كلام الله؟! و من المحكمة؟! الله يلعن كل من اخذه. "

لا شك انها كانت لعنة تسرع بها كاتب الضبط و اضطر الى سحبها فورا و الاعتذار عنها بعد ان عرف ان القاضي هو الذي اخذ المصحف. فبعثوا بالفراش الى بيت الاستاذ محي الدين، ليستعيده، و اجلوا المحاكمة الى بعد الظهر عندما يحضر و يأتي بالكتاب . و لكن الفراش كان رجلا اميا و يظهر ان زوجة القاضي كانت هي الاخرى امية فأعطته القاموس العصري بدلا من القرآن الكريم. جاء به الفراش و وضعه على طاولة القسم. فتقدم الشاهد و وضع يده عليه و قال: " بحق هذا كلام الله ما اقول غير الحقيقة."

لا ادري ما الذي سيقوله الفاضل الياس انطون الياس ، مؤلف القاموس ، عن هذه الشهادة البليغة لقاموسه الشهير لو انه سمع بها! و لكن الشهادة جرت. و تلتها شهادة اخرى، بل وشهادات و شهادات على مر الايام، و القاضي يحكم بموجبها دون ان يفطن أي احد الى حقيقة هذا الكتاب المطروح على الطاولة للشهادة.

جاءت ايام و فاتت ايام و جرت المقادير ان يحضر للشهادة رجل يهودي . و من عادة اليهود ان يدققوا في الكتب و الدفاتر. نظر على الكتاب نظرة سريعة و قال انا موسوي . انا اقسم بالتوراة ولا اقسم بالقاموس العصري ، انكليزي عربي او عربي انكليزي. قال له القاضي صارخا به شنو؟ جاي تمزح مع المحكمة؟ تأدب! مد الرجل يده ليعرض الكتاب على القاضي ، و لكن كاتب الضبط، صرخ به ، " جر ايدك من كلام الله! لا تمس الكتاب"! فجر اليهودي يده باحتشام و سكت. و خلال ذلك لاحظ الكاتب الكلمات المطبوعة باللون الذهبي على الغلاف " القاموس العصري – انكليزي عربي" . و ادرك ان هذا الرجل اليهودي لم يقل غير الحق. قام من مكانه و همس شيئا في اذن القاضي الذي تجهم وجهه عندها. قضى بقية اليوم يتأمل في كل الشهادات التي سجلها و الاحكام التي اصدرها بناء على القسم بهذا الكتاب المغلوط الذي الفه نصراني مصري. تمتم مع نفسه اخيرا و قال : " من يدريني؟ يمكن كل هالوزراء و المدراء اللي حلفوا بالاخلاص للملك والوطن، حلفوا على القاموس العصري لألياس انطون الياس!

و كان هذا اللي كان في ايام زمان من ايام من ايام الخير. ايام الخير اللي فاتت و راحت.

على صلة

XS
SM
MD
LG