روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

للشتائم بلاغاتها.وقد حدثني مؤخرا صديق لي فقال انه وجد سواق التكسي و العربنجية من ابرع الناس فيها. تسمع منهم اروعها و اقذعها كلما تعطلت مركبتهم او هرب الراكب و لم يدفع لهم حقهم. قال صديق آخر، لا بل البناؤون ابرع الناس في الشتم كلما وقع على رأسهم حجر او تأخر العمال عن جلب السمنت او الجص او خرب القالب. بالطبع تنهال في هذه الايام الشتائم على الاذاعات و الفضائيات التي لا تتفق و إياها بالرأي او تشجع الارهابيين على اعمالهم الدموية من قتل و تخريب و خطف و تسليب. سألوني فقلت هذا كله صحيح، و لكن اروع ما عرفته من الشتائم كنت اسمعها من جمهور السينما عندما كان عامل الترجمة يتأخر في عمله في تمشية شريط الترجمة. الترجمة الآن مطبوعة على الفلم و تجري معه. و لكن في ايام زمان كانت تظهر على شاشة صغيرة بجانب شاشة الفلم . و كان هناك عامل خاص مسؤول عن ملاحقة الفلم بالترجمة من فانوس سحري يديره بيده. و لكنه كان معرضا كأي انسان الى الملل و السهو و الاهمال. ينتابه احيانا النوم او يزوره صديق و ينشغل به او تمر امرأة جميلة تخلب لبه او تستأسر بنظره. فينسى تغيير الترجمة فيضيع الحوار على الجمهور. و تعال الآن و اسمع صراخهم و شتائمهم على مشغل الترجمة الذي اغفل عن متابعة الفلم الاجنبي.

اتذكر فلما غراميا وصل الى مشهد زواج البطل بحبيبته ، وقف القس امامهما في الكنيسة المهيبة و اذا به يقول: " يا كلب ، يا حقير. الحق علي ان سلمتك شرفي و بكارتي.". ثم التفت الى العروس و قال: " يا عاهرة! يا ساقطة، يا بنت الاوباش!" احتجنا لعدة ثوان لندرك ان هذا الحوار على الترجمة يعود لمشهد سابق ، مشهد مخانقة بين البطل و امرأة اخرى. فدوت السينما بالصراخ و الشتائم على مسؤول الترجمة، " و لك ترجمة! ترجمة! يا حسقيل يا ابن الـ...يا دين الـ..."

كان حسقيل قد خرج ليأتي بساندويشة و ترك تحريك شريط الترجمة. ما ان عاد الى مكانه حتى اسرع الى تحريكه بسرعة بحيث لم يعد بإمكاننا قراءته فعادوا الى كورس الشتائم ، "ولك حسقيل يا ابن الـ ..." و بالطبع نسي هو ايضا اين كان من الفلم ، فإذا بنا نقرأ ترجمة حوار لمشاهد لم تقع بعد. " حسقيل، يا كلب ، يا..."

كان معظم مشغلي الترجمة من النصارى و اليهود بسبب معرفتهم باللغة الانكليزية. و المسلم الذي اشتغل معهم ضاع بينهم و تعرض الى نفس السيل من الشتائم. في احدى هذه النوبات كان المترجم كرديا وصل بغداد مؤخرا و لم يتأقلم بعد على الشتائم البغدادية. و من طبع الاكراد حدة المزاج. فما انهالت الشتائم عليه :" ترجمة ! ترجمة يا ابن الـ..." حتى اطفأ الجهاز و خرج من المقصورة غاضبا ليرد على شتم الجمهور بمثلها بالكردي : " عرب سه كباب... بنت حرام... كوري رول..." ادى ذلك الى انفجار ملاسنة من اروع ما يمكن تسجيله من الشتم و الإقذاع بين المترجم الكردي و الجمهور العربي، بينما كانت كارمين ميراندا ، المغنية البرازيلية الشهيرة، تغني على الشاشة واحدة من روائع اغانيها البرازيلية : " بوم... ججي بوم بوم... ججي بوم..." و شمر البعض من موقع الخمسة و عشرين فلس عن سواعدهم ليصعدوا الى المقصورة و يهجموا على المترجم الذي خرب عليهم متعتهم، و لكنهم لم يعرفوا كيف ، او اين يقع السلم الى الطابق الأعلى.
و في اثناء ذلك، ضاعت الترجمة على سائر بقية المتفرجين فثارت ثائرتهم و لم تهدأ خواطرهم حتى اسرعوا للتنفيس عن غضبهم بتكسير المقاعد و تمزيف الستائر. و راح صاحب السينما يجري وراء المترجم الكردي ، يتوسل به ليعود الى مقصورته و يواصل تمشية شريط الترجمة . راح يتوسل به و هو يدمدم مع نفسه:" انا الحمار ابن الحمار! اجيب واحد كردي لشغلة واحد يهودي!"

على صلة

XS
SM
MD
LG