روابط للدخول

حلقة جديدة


خلد القشطيني

في هذه الايام التي يسألني فيها الصحب و الاهل، هل ستعود للعراق، متى ستعود، اتوقف قليلا لأتذكر بألم و رعب آخر زيارة لي الى بغداد في عهد صدام حسين.كنت مدعوا لمهرجان المربد و ذهبت بعد كثير من التردد و القلق. و لكنني ذهبت مدفوعا برغبة جامحة لزيارة اخوتي و اصدقائي. كان من قرائي المعجبين بما اكتب ، المحامي حسن العمري. كتب لي من الموصل يعرب عن رغبته في ملاقاتي عند اول فرصة تسنح له. و جاءت الفرصة في هذه المناسبة، و لكنها كانت يوما من ايام الشر و ليس من ايام الخير مع الاسف.

ما ان وصلت و حللت بالفندق الا و وجدته وقد حجز جناحا خاصا به. ارتجاني ان اخصص الليلة الاخيرة له ولأسرته و اصحابه. كانوا متشوقين لهذا اللقاء. فالتقينا. اخذني لمأدبة عشاء فاخرة في نادي الصيد على ما اذكر. جلسنا حول المائدة العامرة بشتى الأطباق و اطايب الطعام الشرقي و الغربي. وما ان سميت بإسم الله ومددت يدي الى الأكل حتى سمعت احد الحاضرين يهمس للأستاذ العمري و يقول: "نقول له للأستاذ خالد ، لو ما نقول له؟" نظر المضيف في وجهي ثم في وجه السائل. وضع الشوكة و السكينة على المائدة ليفكر، ثم قال هامسا ايضا في اذن صاحبه: "لا ابو فاروق مو وقتها." اجابه الرجل :" لكن ضروري نقول له حتى يعرف." دخل القوم في نقاش خافت، و كإن على رؤوسهم الطير. اخيرا سمعت احدهم يهمس : " لا ! خلي نقول له بعد ما نطلع .نقول له بالسيارة بعد ما نمشي."

ادركت أن في الأمر امرا. و بالطبع انكمشت معدتي و فقدت شهيتي. و لم يعد بإمكاني ان اتناول شيئا من كل هذه المشويات و المعجنات اللذيذة امامي. فقد كان ذلك يوما من ايام صدام حسين، و عندما تسمع الناس يتهامسون عنه فتعوذ من الشيطان، و تجبر بالواحد الأحد. و اذا امكنك فوصي وشهّد.

مرت الساعات و انا في احر من الجمر. خرجنا و ركبنا السيارة في طريقنا عائدين الى الفندق. قال احدهم للمضيف: " استاذ حسن، هسه قل له. هسه قل له للأستاذ خالد."

يا ساتر! ما الذي ينبغي ان يقوله لي؟ و بهذا الخوف و الحرص على السرية، بادرني حسن العمري بالكلام :" استاذ خالد، هذا كتابك الأخير، بس الفصل الأول منه يحتوي على عقوبتين إعدام عليك. آني ما قلت عشر اللي انت تقوله بهذا الفصل، كمشوني و ذبوني بالسجن ست اشهر. و لولا آني حسن العمري ، و ورايه كل آل العمري في الموصل، كان ليهسه بعدني بالسجن."

ثم مضى الزميل يحاول ان يشرح كيف اني استحق عقوبة الإعدام حسب قوانين صدام حسين. قلت له، ارجوك ما تشرح لي. آني عندي بس هالليلة ببغداد. الله يستر علي للصبح و تطير بي الطيارة و اخلص. "

آمين ، قال الحاضرون. صعدت الى غرفتي في الفندق احاول ان انام. لم استطع. اخذت حمام لأنام و لم انم. اخذت حمام ثاني و ثالث و لم تغمض عيني. قضيت الليلة اذرع الغرفة من زاوية لزاوية. اقرأ آية الكرسي و اتعوذ من الشيطان و الوم نفسي على المجيء لبغداد. شجابني؟ ليش اجيت؟ مجنون؟

كان موعدي مع السيارة التي تنقلني للمطار في الثامنة صباحا. و لكنني كنت في الاستقبال في الساعة الخامسة ، ماسكا بشنطتي، متلهفا للرحيل. و كلما ظهر شخص بملابس عسكرية ، امسكت انفاسي. ها هم جاؤا لاعتقالي و إعدامي.اخيرا وصلت السيارة و نادوني للركوب. هل حقا سيأخذونني للمطار، ام يا ترى الى سجن ابو غريب؟ ظللت اعاين الطرقات و الاشارات. حتى قرأت اخيرا مطار صدام الدولي. حمدت الله . لا و الله، ما اخذوني لأبو غريب. ركبت الطائرة . و انطلقت الطائرة و عيني مشدودة للأرض. هل اجتزنا النهر ، و الجزيرة ، هل عبرنا الحدود؟ هل تجاوزنا ارض صدام حسين؟ اراد الجالس بجانبي ان يجاملني فقال: "تعرف استاذ ، كان واحد بالطيارة و رادته المخابارات. رجعوا الطيارة لبغداد و نزلوه بالقنادر و اخذوه. : اعوذ بالله يا ربي و سترك. اجتزنا حدود العراق ، ثم حدود سوريا و عيني مشدودة للأرض. و لم تهدأ نفسي حتى رأيت بعيني مياه البحر المتوسط تحتنا. مو معقولة يرجعون الطيارة من اوربا. و ينزلوني و ياخذوني يصلبوني. مو معقولة. عندئذ فقط اغمضت عيني و استقرت انفاسي و نمت. و كان يوم ، قولوا ويايا، يوم من ايام الخير ، اليوم اللي يفلت فيه الانسان من ايدي الاشرار في عهد صدام و كل عهود الارهاب.

على صلة

XS
SM
MD
LG