روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

عسى ان تكروها شيئا و هو خير لكم ، كلمات خالدة انطبقت بصورة خاصة على اليهود. فالمسلمون و المسيحيون الذين اعتبروا الربى كفرا تركوا مهمته الحقيرة لليهود في كل ارجاء العالم. و لكن ذلك اصبح سر سؤدد الطائفة الموسوية و نفوذها ، ولا سيما بعد نمو التجارة و الثورة الصناعية التي لا يمكن ان تزدهر بدون الصيرفة و الفائدة ، الفايز. غير ان اليهود دفعوا ثمنا عاليا لهذه المكانة جعلتهم موضع سخط الآخرين.

اعتادت الارستقراطية في القرون الماضية عى الاقتراض من اليهود. و كانوا بصورة عامة يسددون ديونهم. و لكن العسر كان يصيبهم احيانا و يتعذر عليهم التسديد. و عندئذ يلجأون الى سياسة اليد الضاربة، و في مقدمتها تحريض العامة على مهاجمة اليهود بشتى الذرائع ، فيحصل النهب و الفرهود، ( البوغروم) و تضيع الحسابات و الكمبيالات و يهرب الدائن بحياته و المدين بدينه.

كان ذلك شائعا في الغرب و لكنه قلما وقع في العالم الاسلامي، و خاصة العراق. اعتاد شيوخ القبائل و المزارعون عموما على الاقتراض من اليهود. كان هناك صراف يهودي في سائر المدن العراقية يقوم بتسليف الفلاحين و المزارعين و السركالية و الشيوخ. و كان هؤلاء يسددون ديونهم في موسم الحصاد عندما يبيعون الغلة و يستلمون ثمنها. و كان الصراف اليهودي يتقاضى منهم نسبة من الفائدة عن مدة السلفة. و بعين الوقت كان اصحاب الفلوس و من عندهم مبلغ فائض يودعون هذا المبلغ عند الصراف الذي يدفع لهم فائدة عن المبلغ. تطور شأن بعض الصرافين في العاصمة بغداد فتحولوا الى بنوك خاصة تقوم بالتسليف و استلام الودائع. اتذكر من هؤلاء بنك زلخا، او بيت زلخا. كان عمي احمد يودع عنده اي مبلغ فائض عن حاجته. و الطريف في الأمر ان الموضوع كان يتوقف كليا على الثقة المتبادلة. فلم ار عمي احمد يستلم اي وصل او ورقة عن المبالغ التي يودعها لدى بيت زلخا. كان يدخل الدكان و يسلم عليهم و يردون السلام عليه و يسألونه عن صحته و صحة الاولاد و يدردشون معه قليلا ثم يسلم لهم ما لديه من مبلغ و يخرج. عندك العافية ابو سمحة ، و عندك العافية ابو محمود. و يمضي في طريقه. كانت العلاقة اقرب ما تكون الى الصداقة و المعرفة الشخصية. كل ما كانوا يفعلون هو ان يفتحوا الدفتر ، صحيفة عمي احمد و يكتبون فيها ميتين او خمسماية دينار واصل من ابو محمود القشطيني. و خلص. كانت ايام خير و لم يكن المسلم يشك بأمانة اليهودي او اليهودي بأمانة المسلم.
هكذا كان الوضع العام ، و لكن طبعا كانت هناك حالات فردية ظريفة. و من ذلك ما روي عن السيد طالب النقيب الذي كان بمثابة الحاكم المطلق في مدينة البصرة في العهد العثماني. اشتهر السيد النقيب بالكرم المفرط و الاسراف و التبذير بدون حد. اضطره ذلك الى الاقتراض من العوائل المالية اليهودية في البصرة حيث كانت تسكن فيها طائفة موسوية كبيرة، و موسرة تجاريا و ماليا. كان منهم الاديب مير بصري.
اعتاد طالب النقيب على الاقتراض من احد كبار المرابين في المدينة. وكان هذا يسلفه ما يريد مقابل كمبيالة يسددها طالب النقيب في موسم التمر. اقترض منه ذات يوم مبلغا كبيرا و وقع له على الكمبيالة بذلك. و لكن المبلغ وصل حدا تعذر على طالب النقيب تسديده في الموسم، فراح يماطل و يؤجل و يعد و لا ينفذ. اخيرا قال له الصراف اليهودي: " طالب بيك، اذا ما راح تسدد الكمبيالة هسة فراح اسلمها للمحامي وهو يقيم دعوة عليك ويستحصل المبلغ." اجابه فقال: " لا ابو حسقيل، ما تخاف. ماكو داعي تروح للمحامي. جيب الكمبيالة وينها حتى اسددها. فأخرجها له الصراف و اراه إياها. قال له : " ابو حسقيل، حطها بحلقك و امضغها زين، اعلجها و ابلعها. ما تطلع من هنا الى ما اشوفك تبلع هالكميالة قدامي."

لم يبق للصراف غير ان يحط الكمبيالة بحلقه و يظل يعلجها الى ان صارت عجينة و بلعها و خرج. و لكن لم تمض غير اشهر قليلة حتى احتاج النقيب الى قرض جديد من الصراف . فاستدعاه و اعتذر له و وعده خيرا هذه المرة. سيسدد الكمبيالة حالما تستحق. فقال له الصراف ابو حسقيل، " بقى طالب بيك. الله يخليك. هالمرة بدل ما نكتبها على ورقة خلينا نكتبها على قمر الدين."

و سارت الحكاية فأصبحت جزء من فولكلور الفكاهة العراقية.

على صلة

XS
SM
MD
LG