روابط للدخول

الحديث عن الرقابة على المطبوعات إبان العهد الملكي..


خالد القشطيني

حلقة جديدة من برنامج أيام الخير الذي يعده ويقدمه الكاتب العراقي خالد القشطيني يحدثنا فيها عن الرقابة على المطبوعات إبان العهد الملكي..

لم يعرف العراق في العهد الملكي الرقابة على الكتب و المجلات و لكن باندلاع الحرب العالمية الثانية و اقتراب الخطر النازي من منطقة الشرق الاوسط، اضطرت الحكومة الى فرض الرقابة على المطبوعات اسوة بكل الدول الاخرى التي تأثرت بالحرب. كان هناك قسمان ، احدهما للمطبوعات العربية و ترأسه ناجي القشطيني ، و الآخر للمطبوعات الاجنبية و ترأسه حسين الرحال.و تولت الاشراف على كلا القسمين مديرية الدعاية العامة تحت رآسة الاستاذ احمد زكي الخياط.

كانت مهمة الرقابة الرئيسية منع الدعايات النازية و الافكار المعادية للحلفاء في مجهودهم الحربي . و بخلاف ذلك لم تعبأ السلطة بصورة عامة بمايقوله او يكتبه الناس طالما لم يثر ذلك مشاعر الجمهور و حساسياتهم ، و بصورة خاصة حساسياتهم الدينية. و بدخول الاتحاد السوفيتي في الحرب الى جانب الحلفاء، اخذت حتى الكتب الماركسية و الشيوعية تباع في الاسواق و تستورد من الخارج.

في إطار هذا الجو العام في الشرق الاوسط قامت احدى دور النشر اللبنانية بطبع و نشر كتاب كارل ماركس الشهير "رأس المال" ( داس كبيتال)، انجيل المذهب الشيوعي. لعل اكثرنا يتذكرون المثل القائل يأن المصريين يكتبون و اللبنانيين ينشرون و العراقيين يقرأون. و لكن في هذه الحالة يجب ان يقال: الالمان يكتبون و اللبنانيون يترجمون و العراقيون يقرأون. و هكذا حرص الناشر اللبناني على تصدير الكتاب الى الاسواق العراقية فقامت المكتبة العصرية في ذلك الحين باستيراد رأس المال لأول مرة الى العراق. و كان ذلك في الواقع امتحانا عسيرا للقاريء العراقي الشغوف بالقراءة، و قراءة أي شيء. فمما لابد من الاعتراف به ان الجمهور العراقي ظل من اكثر جماهير الشرق الاوسط ولعا بالإطلاع و المعرفة و الاستزادة الحرة في أي موضوع كان. من يدري، ربما ورث ذلك من ايام الحضارة العباسية، بل و اظهر ولعه هذا حتى في ايام الحضارة السومرية و البابلية ، والا فلماذا سبق كل شعوب العالم في اختراع الحروف الابجدية و الكتابة؟

و لكنه ها هنا واجه تحديا كبيرا في كتاب رأس المال. فأبرزشيء تميز به هذا الكتاب الشهير هو انه قلما قرأه احد. حتى بين الشيوعيين، قلما تجد شيوعيا قرأه. قام صاحب المكتبة العصرية السيد محمود حلمي باللازم ، وقدم نسخة منه الى مديرية الدعاية العامة للموافقة على توزيعه. القى المدير العام نظرة على هذا الكتاب السميك ، الذائع الصيت و الخطر، فقرر ان يأخذه للبيت و يقرأه بنفسه ليبت بمصيره. مرت الايام و الاسابيع و الشهور و لم تسمع المكتبة العصرية شيئا من مديرية الدعاية فذهب صاحبها محمود حلمي بنفسه لمقابلة المدير العام الاستاذ الخياط. سأله عن مصير الكتاب. و قال له ، لقد مضت كل هذه المدة الطويلة و الدكان مليء بالصناديق ، لا يدري هل يفتحها و يوزع الكتاب للبيع ام يعيدها للناشر في بيروت و يتخلص منها. هذا مو عدل. الكتب مالية المكتبة و سادة الطريق و الفلوس نايمة بيها. اعطونا قراركم. لو هرا لو ورا.

نظر في وجهه احمد زكي الخياط و قال له ما الذي تتكلم عنه؟ أي كتاب تعني؟ فذكره بالكتاب.أستاذ ، كتاب رأس المال لكارل ماركس. فهز المدير رأسه يائسا بائسا و اجابه قائلا: " اوهو! هذا الكتاب الشيوعي! ئي نعم. ذكرتني و الله. اسمع اخي، هذا اخذته ويايا للبيت حتى اقراه و ابت بيه. كل يوم افتحه، اقرا سطرين تلاثه منه ، و ادوخ و ما افهم منه كلمة. يوجعني راسي و انام. اذا آني ما دا اقدر افهمه، هو الناس بالشارع راح يفهموه؟ روح اخي روح! وزع الكتاب و لا تخاف. و الله يوفقك.

و هكذا جرى توزيع كتاب داس كابيتال في بغداد عام 1944. يعلم الله كم من الناس اشتروه ، و كم قرأوه ، و كم فهموه. و لكنه كان في الاسواق. صاحب المكتبة العصرية حر . و الناس تتعامل بروح الخير لا احد يفرض عليهم ما يجب ان يقرأوه و يشتروه و يتظاهروا بفهمه و تصديقه ، بل و يضعوه امامهم على الطاولة آمنين على انفسهم. كانت ايام خير و راحت و يا اهاليها و كتبها.

على صلة

XS
SM
MD
LG