روابط للدخول

الحديث عن بداية تأسيس كلية الحقوق في العراق ونزاهة القانون واستقلاليته في العهد الملكي


خالد القشطيني

سبق ان روينا الكثير عن هذا المعهد الجامعي الذي وضعت اسسه في عهد الملك فيصل رحمه الله، و نعني به كلية الحقوق التي ترعرعت و ازدهرت تحت ادارة عميدها المرحوم منير القاضي و انجبت كل هذا الجيل من فقهاء القانون و القضاء. التفت المسؤولون عندئذ الى ان نهوض العراق ، كأي بلد آخر، سيتوقف اولا و اخيرا على سيادة القانون و حرمة القضاء و استقلال القضاة. و اذا كان من شيء يعتز به العهد الملكي فهو بدون شك نزاهة هذا السلك و استقلاله.

و لكن عندما تألفت الحكومة العراقية الاولى ، لم تكن البلاد قد ورثت من العهد العثماني ما يكفي من فقهاء القانون لتدريس الفروع المختلفة من هذه المهنة. فاضطروا الى الاستنجاد بالدولة العربية الشقيقة ، مصر التي كانت قد سبقتنا في هذا المضمار. فتولى مهنة التدريس في الكلية عدد من الاساتذة المصريين ، كان منهم مصطفى كامل و جابر جاد، و احمدخليفة و حسن ابو السعود و غيرهم ممن قدر لهم ان يلعبوا دورا كبيرا في ميادين القانون، لا في العراق فقط بل و كذلك في بلادهم فيما بعد.

الطريف في امر هذه النخبة من الاساتذة انهم لم يأتوا معهم بخبرتهم و معرفتهم فقط، بل جاؤوا ايضا معهم بروح النكتة المصرية و خفة الروح فأشاعوا الظرف و المرح في جوانب الكلية . و الظرف و الدعابة من سمات الحياة القضائية في التاريخ الاسلامي.اعطى كل ذلك جو الدراسة عنصرا محببا و مشوقا.

اشتهر من بينهم بصورة خاصة حسن ابو السعود الذي تميز بمعرفته الموسوعية التي اهلته لتدريس كثير من المواد و عاد فيما بعد ليشغل منصبا وزاريا في عهد المرحوم جمال عبد الناصر. تحلى بروح النكتة المصرية بأروع صورها. وهي سرعة الخاطر. حضر يوما قاعة الامتحان النهائي متأخرا عن الوقت، فالتقاه زميله جابر جاد فرحب به ساخرا و قال: " اهلا ، اهلا بابو القرود." لم يتردد ابو السعود كثيرا في الجواب فرد على زميله قائلا:" وهلا بك يا ابني." لم يستطع الطلبة الممتحنون غير ان يلقوا بأقلامهم جانبا ليغصوا بالضحك.

كان بين ؤلئك الطلبة القاضي غازي عبد الهادي و العالم الاقتصادي فخري شهاب و الشاعر الساخر حبيب سلمان الفتيان، صاحب ديوان " المخازي". و يظهر ان شيئا من ظرف ابو السعود الذي كان يدرس علم الاقتصاد، قد انتقل بالعدوى الى هذا الشاعر الساخر فشاء ان يداعب استاذه فنظم قصيدة قصيرة كتبها بالطباشير على السبورة و تركها حتى حضر الاستاذ. فوقف و قرأ هذه الابيات:

ملت النفس من طرهات تعادى
من جهول ما ازداد الا عنادا
فاذا اردت ان تكون سخيفا

فاسد الذوق فأقرأ الاقتصادا
هو علم به اضمحلت عقول

و انطفى نارها فعادت رمادا
ربي هذا ابو السعود بلاء

ربي خلص من البلاء البلادا

و استرسل الشاعر في الواقع بأبيات بذيئة لا يليق بهذه الاذاعة المحترمة ان تعيدها و تجرح بها آذان المستمعين. و لكن الاستاذ ابو السعود قرأها ، فاستدار و التفت الى الطلبة و قال: " مين الجدع اللي كتب الكلام ده؟"

ساد الوجوم جوانب القاعة. لم يتطوع احد بالجواب. فأعاد السوآل و قال : انا مش ح استمر بالدرس حتى اعرف مين اللي كتب الشعر ده. اضطر عندئذ حبيب سلمان الفتيان الى الوقوف و الاعتراف بالذنب. سار الاستاذ ابو السعود نحوه. و مسك الطلاب انفاسهم. ما الذي سيفعله؟ هل سيرمي به خارج الصف؟ سار ابو السعود نحو التلميذ حتى اذا وصله ، اخذ يده و صافحه بحرارة و هنأه على شاعريته و اسلوبه الساخر . و اصبحت القصيدة بداية علاقة وطيدة بين الاثنين استمرت الى ما بعد عودة الاستاذ الى مصر.
كانا ايام خير ، ئي نعم. و كل شيء يأخذ بحسن النية و السماحة و التسامح و رحابة الصدر لخير الجميع و خير البلاد.

على صلة

XS
SM
MD
LG