روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

افل قبل ايام نجم من نجوم ايام الخير، و اقصد بذلك ايام الخمسينات، او ما اصبح يسمى بالعصر الذهبي للفكر العراقي ، من ادبه الى فنونه. و كان ذلك النجم صديق العمر و زميل الفن الأستاذ سلمان شكر العواد و المؤلف الموسيقي الرائع. شعرت بصدمة بليغة عند سماعي بوفاته قبل ايام بعد مرض لم يمهله كثيرا.

كان سلمان رحمه الله من اعز الناس علي، صحبته اثناء الدراسة في معهد الفنون الجميلة ثم صاحبته في الاستاذية هناك و جددنا علاقتنا في لندن حيث اقام في بيتي لمدة طويلة وهو يحيي الحفلات و يبحث في تاريخ الموسيقى و يؤلف و يضيف الى مؤلفاته. لم يحتل سلمان شكر تلك المكانة المتميزة في عالم موسيقى العود لسبب بسيط هو حنبليته في فنه ، او بالأحرى تعصبه للأجادة و الحداثة و الخصوصية. يا ما رأيته يتنرفز و يتعصب و ينجرح عندما كان الناس يطلبون منه عزف بعض الأغاني و الألحان الرائجة.

تتلمذ سلمان على البروفسور الشريف محي الدين حيدر الذي تولى عمادة معهد الفنون الجميلة و رآسة القسم الشرقي من الموسيقى. كان عميدي المرحوم محي الدين حيدر من المبدعين في موسيقى العود و تأثر في ذلك بالمدرسة التركية التي تأثرت بدورها بالموسيقى الكلاسيكية الغربية. وقع سلمان شكر في سحر استاذه هذا و راح يقلده في كل شيء بما في ذلك استيحاء الموسيقى الغربية الكلاسيكية. بلغ من تعلقه بأستاذه الشريف محي الدين ان سمى إسم ولده البكر بإسمه شريف. وفي ظل هذا التأثير الف سلمان شكر كثيرا من الاعمال الموسيقية التي حذى فيها حذو كبار الموسيقيين الغربيين ، ومن ذلك كونسرتو العود التي الفها بالتعاون مع الموسيقي و المستشرق الانكليزي جون هيوود. وجرى تقديم هذا العمل المهم مع فرقة الهرومنيا البريطانية على قاعة الملكة اليزابث بلندن قبل سنوات. شارك فيها رحمه الله بالعزف على العود المنفرد. و كان قد طعم هذا العمل الموسيقي السمفوني الجليل ببعض الحان الغناء الفوركلوري العراقي، على عادة كبار المؤلفين الموسيقيين في استلهام الفولكلور الغنائي كما فعل بتهوفن و شايكوفسكي و برامز و سواهم.

المؤسف جدا ان القيود النقابية و المهنية للعازفين البريطانيين لم تسمح بتسجيل تلك الحفلة. و بقي سلمان يتحسر على ذلك الحدث الذي فلت من عالم التسجيل و إن لم يفلت من عالم الورق. لا ادري من يمتلك الآن كتاب النوطة لتلك الكونسرتو. املي هو ان يأتي اليوم الذي تقوم فيه الفرقة السمفونية العراقية بإعادة عزف هذا العمل

لم تشتهر هذه الكونسرتو التي كرس لها ابو شريف شهورا طويلة من حياته في بريطانيا. اشتهر بمعزوفة اخرى على العود المنفرد ، من اعمال شبابه ، الا وهي حورية الجبل. جمع فيها موسيقى العرب و موسيقى اهل الجبل ، الفويلية الذين انحدر سلمان شكر من صلبهم. ومن ذلك استوحى هذا الأسم " حورية الجبل".

و لما كان سلمان شكر مقيما في بيتي ، لا تفصل غرفته عن غرفة نومي غير بضعة اقدام ، فقد استمتعت بسماع موسيقاه و هو يعزف و يتمرن و يؤلف و يصحح ما الفه ، و يعيد و يستعيد. كانت نعمة من النعم التي من الله تعالى بها علي. لمست خلال ذلك روح الحساسية المرهفة التي تميز بها عزف هذا العواد الرائع ، بل و اشتهر بها. كان رحمه الله يلمس اوتار العود و كإنها نياط قلبه و فوآده.

المعجبون بموسيقى سلمان شكر كثيرون و لكن القليل منهم من يعرف الكثير عن روحيته الفكهة. كنا نقضي ساعات طويلة استمع خلالها الى طرائفه و ملحه عن الحياة العراقية الأصيلة ، ولا سيما ما تعلق منها بحياة الفنانين والموسيقيين و نجوم الطرب و الغناء.

جاء نبأ وفاته لطمة خاصة لي . فقد كنت امني نفسي بلقائه قريبا و تجديد صداقتنا المجيدة و سماع عزفه و كلامه الحلو. و لكن الأقدار شاءت غير ذلك. فإلى رحمة الله ايها الفارس على آلة العود و يرحم الله ايامك الحلوة و المبدعة التي كانت و ستظل اياما خالدة من ايام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG