روابط للدخول

خيالات وحقائق عن معشر اللقالق


خالد القشطيني

من أغرب الطيور التي عاشت في العراق ورويت عنها شتى الحكايات والأشعار والمعتقدات الفولكلورية، اللقالق. استهوت صديقي المرحوم حسن العمري إلى حد أن جعلته يكرس حياته الأدبية في دراستها وألـّـف عنها كتابه "خيالات وحقائق عن معشر اللقالق". كانت هذه الطيور تعشعش فوق منائر الجوامع وأبراج الكنائس حتى عرفت إحدى الكنائس باسمها: "أم اللقالق". لقد اختفت الآن كليا من بغداد. لم تعد تأتي إليها.

روى لي أستاذي حقي الشبلي أن البناء الأسطة أبو داود اعتاد على المرور أمام بيته في الحيدرخانة ليلا بعد أن يكون قد شرب ما فيه الكفاية من حانات الميدان. يقف تحت شناشيل الأستاذ حقي ويغني له شيئا من أنغام المقام. ولكنه انقطع عن الغناء لعدة أيام. افتقد حقي صوته وغناءه فاستوقفه يوما في طريقه وسأله عن سر انقطاعه. قال: "عندي مشكلة تشغلني." – "قول، أبو داود، إنشا الله خير. قول شنو مشكلتك." أجابه: "مشكلتي أريد أفهم هذي اللقالق ليش توكر بصوب الرصافة وما تروح لصوب الكرخ؟"

تأمل أستاذي في الموضوع فوجد الظاهرة محيرة. استمهل صاحبه يوما أو يومين ليفكر فيها. لم يهتد إلى جواب. فسأل الأستاذ مصطفى جواد. أجابه: "هذا بأنه ربما يعود الأمر إلى أيام المنصور الذي بنى أسوارا وأبراجا عالية لحراسة قصره. فإذا جاءت اللقالق وعشعشت فوق قصر الخليفة، ضربوها بالسهام وقتلوها. وهكذا دأبت هذه الطيور على تحاشي جانب الكرخ.

انتظر استاذ حقي حتى جاء الأسطة أبو داود فروى له جواب مصطفى جواد. نكس أبو داود عرقجينه وفكر قليلا ثم قال: "لا أستاذ حقي هذا كلام صاحبك مصطفى جواد ما يمشي. ما يخش بالعقل. يعني يريد يقول لنا إن هذه اللقالق من يوم المنصور لليوم، الأب يقول لابنه، «ولك لا تروح لذاك الصوب، ترى أكو جنود يضربوك هناك.» لا. هذي حكاية ما تخش بالعقل. أستاذ حقي شوف غيرها."

انصرف الرجل ففكر حقي وقرر سؤال عباس البغدادي، المختص بمدينة بغداد. أعطى هذا جوابه بأن السر هو أن اللقالق تعيش على الفضلات. وأهل صوب الكرخ مشهورون بأكل الباجة. فضلات الباجة هي العظام. والطيور لا تأكل العظام. أما أهل الرصافة فمشهورون بشوربة باب الشيخ. وعندما يبقى منها شيء يرمونه وراء السدة. فتنزل اللقالق وتأكل منه. ولهذا اختارت العيش في الرصافة.

نقل الأستاذ حقي هذا التفسير لأبو داود ليلا. فكر هذا بالجواب ثم رفع رأسه وقال: "لا أستاذ حقي. هذا الكلام هَم ما يخش بالعقل. يعني هذي اللقالق ما يعجبها أي أكل من الدنيا إلا شوربة باب الشيخ؟ لا أستاذ هذا كلام ما يمشي. شوف غيرها." ومضى أبو داود في طريقه.

من بقي في بغداد من الخبراء؟ ئي بلي. شاكر خصباك. الخبير الجغرافي. فكر هذا في الأمر ثم قال: "السر يا أستاذ حقي هو أن اللقالق تأتي شتاء من القفقاس. وعندما تصل بغداد تكون متعبة جدا فتوكر على أقرب مكان منها. وهو منائر صوب الرصافة."

انتظر حقي حتى لاح أبو داود ليلا في طريقه: "أبو داود شفت لك الجواب." ثم روى له تفسير الدكتور خصباك. "لا، لا أستاذ حقي. هذا همينة كلام ما يقبله العقل. يعني هذي اللقالق تجي من بلاد القفقاس، تعبر الجبال والبحار والأنهار، إلى ما توصل بغداد، وبعدين، تتكاسل تعبر نهر دجلة للكرخ. لا هذا كلام ما يخش بعقلي. لكن أستاذ حقي آني تعبتك بهالموضوع. راح أرجع أغني لك." وعاد الأسطة أبو داود يجلجل في غناء المقام والأستاذ حقي يطرب ويعيد ويستعيد.

التفت إلى أستاذي حقي الشبلي وسألته: "أستاذ حقي، يعني هذي اللقالق بعدها ما توكر إلا في جانب الرصافة إلى الآن؟" نظر في وجهي نظرة حزينة ثم قال: "راحت اللقالق يا ابني خالد، ما عاد تجي لبغداد. راحت ويا اللي راحوا. وطلعوا من البلد. ما عاد تجي اللقالق لمناير بغداد. كانت تجي بأيام الخير يا وليدي، وراحت أيام الخير وراحت وياها اللقالق."

على صلة

XS
SM
MD
LG