روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

كان من المعتاد في عهود ايام الخير ان يحل المسؤولون معظم المشاكل بصورة ودية هادئة، و في الإطار المعروف بالعلاقة الأبوية. وهو اطار له ابعاده في تراثنا الشرقي الاسلامي، علاقة الأب بالابناء ، منه الرعاية و المسؤولية و منهم الاحترام و الطاعة. يروي اهل الخير من ابناء تلك الايام الكثير من الحكايات في هذا الصدد. يقولون مثلا ان المرحوم نوري السعيد كثيرا ما كان يلجأ الى هذه الطريقة في معالجة الخصومة و المعارضة. كان ممن ازعجوه بصورة خاصة صبيحة المدرس. اشتهرت بميولها القومية المتطرفة وبمصارحتها في اعتراضاتها على سلوك الحكومة. كثيرا ما كانت تتهجم على المسؤولين بالسباب و الشتم.

سمع نوري السعيد بذلك. كان بإمكانه طبعا ان يأمر باعتقالها و اهانتها و تدمير مستقبلها بل و تعذيبها كما فعلوا في العهود اللاحقة. و لكنه لم يفعل ايا من ذلك. ما استاء منه رئيس الوزراء بصورة خاصة ان صبيحة المدرس هذه كانت تسب الحكومة و وزرائها في الوقت الذي كانت تعمل فيه مذيعة في اذاعة بغداد. ركب سيارته و ذهب الى دار الاذاعة في الصالحية ثم جلس في غرفة الانتظار و دعى اليها بالحضور. اجلسها امامه و راح يسألها عن حياتها و احوالها و كسبها. ثم تطرق الى سلوكها حيال الحكومة و المسؤولين و راح يلومها على ذلك و ينصحها بالأعتدال: " بنتي خلي بالك على دروسك و انت بعدك تلميذة و ابوج الله يرحم كنت اعرفة و احترمه و يريد لج الخير..." الى آخر ذلك من الكلام الذي اعتدنا عليه من آبائنا و عمومتنا. اعتذرت له و شكرته و افترق الاثنان في وئام و احترام.

لا ادري إن كانت قد اخذت بنصيحته. ربما لم تأخذ بها كسائر الشباب. و لكن المهم فيها طريقة التعامل الابوي السلمي بين ابناء وطن واحد يريدون له الخير.

كانت صبيحة المدرس عندئذ في كلية الحقوق. كان ذلك في ايام الخير التي تولى فيها منير اتلقاضي عمادة الكلية. كان من مدرسة نوري السعيد و شاطره اسلوبه في التعامل مع المشاكل. انخرط في كلية احقوق مئات الطلبة ، اكثرهم من المتطرفين اليساريين و القوميين. اغتلت في نفوسهم افكارهم السياسية و اصبحت الكلية بؤرة للنشاط المعارض للحكومةو نقطة انطلاق للمظاهرات و الاحتجاجات و الاعتصامات. و لكن الغريب في امرها انها لم تصبح قط ساحة للمصادمات الدموية او غير الدموية التي سمعنا عنها في معظم الميادين الجامعية في العالم الثالث.

كان الاستاذ منير القاضي رحمه الله يتمتع ايضا بروح دعابة ظريفة لابد ان ساهمت في خلق هذه العلاقة الودية بينه و بين طلابه واساتذته. كان مما اخذوه عليه علاقة الصداقة الوطيدة التي ارتبط بها مع نوري السعيد. كان في الواقع من مدرسته. و في إطار العلاقة الأبوية ، كثيرا ما طفح شعور الطلبة ضده بالتحديات.

في يوم من ايام الاضرابات و المظاهرات ، خرج الطلاب من صفوفهم و تجمهروا امام مدخل الكلية. فخطر لمنير القاضي ان يكلمهم و ينصحهم بالعودة الى دروسهم. فذهب الى شرفة الكلية ، او البالقون، و لكنه ما ان بدأ بالكلام حتى اخذوا يهتفون ضده ، يسقط منير القاضي... يسقط عميل الاستعمار ، يسقط العميد الخائن...

لم يسمحوا له بالكلام، لكنه سمح لهم بأن يواصلوا الهتاف وهو يبتسم حتى اذا ملوا من الهتاف بسقوطه فتح فمه ضاحكا و قال: " ها! اشو ما سقطت! بعدني واقف عالبالقون!"
فضج الطلبة بالضحك. و تعالت صيحات البعض من هنا و هناك. يعيش منير القاضي... يعيش منير القاضي...
و انفض الاجتماع بالضحك و الدعابة و الاحترام المشترك. انفضوا ولا شك، كل على رأيه و اجتهاده، و لكن لم تسفك دماء و لم يسمع صوت الرصاص و لا اعتدى احد على احد. كانت ايام خير . ئي بلي ، ايام خير و خلي نذكرها بالخير... أي... ايام خير و راحت وياهم ، ويا كل اهل الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG