روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

بين كل غيوم الحزن و الاسى التي تحيط بعراقنا في هذه الايام ، فإننا ما زلنا تستذوق و نتطيب بالفوز الفريد الذي حققه فريقنا لكرة القدم. هذا على الأقل ما اشعر به. وهو ما اتذكره من تلك المباراة التاريخية التي شهدت خلالها العجائز من نسائنا يصرخن و يهلهلن و يقرأن آية الكرسي و قل هو الله احد لكل ضربة يسددها الفريق العراقي و يرددن اعوذ بلله العلي العظيم لكل ضربة من الفريق السعودي.

للعراق طبعا تاريخ قصير بالنسبة لهذه الرياضة. فلم يكن العراقيون قد رأوا مباراة كرة ، او بل ولا حتى أي كره قدم قبل العشرينات من القرن الماضي عندما دخل الانكليز العراق و راح جنودهم يلعبون الكرة في بغداد. كان لهما فريقان رئيسيان هما فريق الهوسبتال و فريق الأتش كيو. وقد انقسم الجمهور في بغداد بين مشجعي الهوسبيتال و مشجعي الاتش كيو. و كثيرا ما جرت مشادات بينهم على هامش ذلك. الانكليز يلعبون و العراقيون يتخاصمون.

سرعان ما اصبحت مباريات كرة القدم اللعبة المحببة لقلوب العراقيين ، الاولاد و الشبان. وقد اثار الفوز العراقي بكأس آسيا بعض الذكريات في نفسي عن ايام الخير التي كنت قد حسبت انني نسيتها كليا. فإذا بها تعود حية امامي. امتد خط التذكر الى ايام المدرسة الابتدائية عندما كنا نلعب الكرة بالدشاديش و في اكثر الاحيان حفاة بدون احذية. و كنت انا العب مع فريق العيواضية ضد فريق الكرنتينة في بغداد. و غالبا ما اثارت الاحذية نزاعات مستمرة يمكن اعتبارها صورة من صور التنازع الطبقي. إذ دأب ابناء الكرنتينة الذي كانوا على الغالب حفاة ، على الاحتجاج علينا لأننا جميعا كنا نلبس احذية جيدة خاصة بكرة القدم ، لابجينات. وكانوا يقولون لنا اننا ندوس على اقدامهم بأحذيتنا فنكسر عظامهم واصابعهم و نغلبهم في نزاع غير متكافيء. كانوا يقولون لنا ، اذا انتو تعتبرون انفسكم شطار و لواعيب عالميين انزعوا قنادركم و لابجيناتكم و تسابقوا ويانا.

و بينما جرى هذا النزاع الطبقي بين الفريقين، دأب فريقنا على المهاوشة معي. و ذلك انني كنت العب بقدمي لعبا بارعا و لكنني كنت ارفض استعمال رأسي في نطح الكرة لاعتقادي بأن النطح بالرأس يؤثر على الدماغ و يفلطحه فيفقد ذكاءه ، وعندئذ يسقط الانسان في درس الحساب.

و كان برهاني على ذلك هو درجاتي العاليةالتي كنت احصل عليها في هذا الدرس، في حين كان زميلي عبد المعبود على الزاوية الاخرى الشمالية من الساحة يفشل باستمرار في درس الرياضيات. و لكنه كان نطاحا بارعا و سجل عدة اهداف عجيبة برأسه. و في ايام الامتحانات كان يلتجيء لمساعدتي له في فهم الدروس. و كنت احبه كثيرا فحرصت على نصحه باستمرار. : " يا اخي عبد لا تنطح الطوبة براسك. على الاقل امتنع عن نطحها في ايام الامتحانات ، إنطحها بأيام العطل."
الحمد لله لم يسمع ابطال الفريق العراقي الحالي بنصيحتي فقد كان الفوز الذي حققوه يقوم على نطحة بالراس عجز حامي الهدف السعودي عن صدها.

الفكرة تثير ضحكنا الآن، و لكن الغريب ان ذلك الصبي الصغير ، أي انا ، كان على حق. فبعد كل هذه السنين قرأت قبل اشهر تقريرا طبيا يقول ان نطح الكرة يعرقل نمو الدماغ. بيد ان زملائي في فريق العيواضية لم يصدقوا كلامي. و كانوا يسخرون مني و ينتقدون طريقة لعبي فيقولون :" يعني شلون تريد تصير لاعوب عالمي و تلعب على كأس العالم في لندن و باريس و انت ما ترضى تنطح الطوبة براسك؟"

و لكنني لم التفت الى ما يقولون و واضبت على اللعب بقدمي فقط و النجاح في درس الحساب. في حين واضب زميلي عبد المعبود على الاجادة في نطح الكرة و السقوط في درس الحساب. و انتهت المرحلة. دققت مليا بأسماء لواعيب المنتخب العراقي و لم اجد اسمه بينهم. لقد توفاه الله منذ سنين و انتقل الى عالم الآخرة ، الى عالم فيه جنات تجري من تحتها الانهار و لكن لا مكان فيها لكرة القدم.

على صلة

XS
SM
MD
LG