روابط للدخول

في ذكرى رحيل الجواهري الكبير


فارس عمر

"فقدنا صوتا كان مدويا حتى في صمته ، يتجاوز حاجز الزمن ، رمزا فريدا يجسد ويُلهم نضال شعب العراق وأمله. الخسارة كارثية. فهو آخر الرموز العظيمة" ـ الفنان والباحث العراقي محمود صبري.
"لم يكن الجواهري مجرد افصاح عن الذات وانما كان الى ذلك ، وربما قبله في احيان كثيرة ، افصاحا عن أفكار ومثل مشترك" ـ الشاعر العربي ادونيس.
"ان يموت الشاعر فذلك حدث جلل ولكن ان يموت شاعر الشعراء فذلك الجلل الأكبر" ـ نجاح العطار وزيرة الثقافة السورية السابقة.
"الجواهري لا يُرثى ، الجواهري يُمتدَح" ـ الشاعر العراقي سعدي يوسف.
"لم يكن شعر الجواهري وحده يُغرينا لكن مزاجه وشخصه وحياته" ـ الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
"هناك قمتان شامختان في الشعر العربي اعلى سناما من القمم الاخرى هما المتنبي والجواهري. ولأني من معاصري الجواهري فأنا أكثر ميلا اليه" ـ الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي.
هذا بعضُ ما قيل في شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري يوم رحيله في السابع والعشرين من تموز عام 1997.
وإذا كان الشعر ديوان العرب فان شعر الجواهري هو ديوان شعب العراق في القرن العشرين. وإذا كان هناك اجماع بين النخبة الثقافية وجمهرة المتذوقين على تربع الجواهري قمة الشعر العمودي في العصر الحديث فان شعره لم يكن بعيدا عن اثارة الجدل. ويُشار في هذا السياق على الاخص الى ما نظمه الجواهري في مدح ملوك وحكام عرب. واللافت ان ما يوجه الى الجواهري من نقد بسبب حفنة قصائد ، أولا ، لا يطاول شعره على وجه التحديد حتى في قصائد المديح هذه ، وثانيا انه نقد لا يصدر عن مراجع ثقافية يُعتد بها بل مدفوع في الغالب بمعايير سياسية وحسابات لا تمت بصلة الى تقييم الاعمال الابداعية ومدارس النقد الأدبي المتعارف عليها.
ما يؤخذ على هذا النقد تغافله عن شخصية المبدع وخصوصيتها. والجواهري الانسان والمبدع كان في صراع دائم مع اسئلة وجودية وقلق حضاري ، شخصية لم تعرف الاستقرار ، مهجوسة بالشك الفكري والبحث عن معنى ، تمسك بتلابيب الحياة لهتك اسرارها ، لعلها تفك "لغز الحياة وحيرة الألباب" ، كما أنشد في ذكرى الرصافي الذي أجلس الجواهري على عرش الشعر العمودي ببيته "أقول لرب الشعر مهدي الجواهري الى كم تناغي بالقوافي السواحر".
السؤال الذي يُطرح هنا هو ما إذا كان من الانصاف لشيخ الشعراء نفسه وللثقافة عموما ان تُحاكم بتبسيط شخصية مركبة ، قلقة ، مثل شخصية الجواهري التي كانت مسكونة بعفاريت من كل صنف تتعايش مع ربات الوحي تحت طاقيته الشهيرة . وهل يجوز نقديا ان يُختزل سفر الجواهري الى بضعة قصائد يُعامَل بسببها على طريقة "أحسنتَ ما نظمتَ ، اعطوه ألف درهم". الحق ان الجواهري هو الذي كان يُغدق على الملوك والحكام دراهم مسكوكة من نظمه في لحظة مزاج يحمدون الله ويشكرونه عليها. وهو الذي صدق مَنْ قال عنه يوم رحيله "منذ الآن سينام كلُّ طاغية قرير العين. فقد رحل الشاعر الذي قال للطغاة "أنا حتفُهم ألج البيوت عليهم ، أُغري الوليد بشتمهم والحاجبا".

لو كان الجواهري من شعراء القصور وغواة الدراهم لما غادر وطنه وخلَّف دجلة الخير وراءه يوم كان رئيس النظام السابق ينثر العطايا بلا حساب على اشباه مثقفين وشعراء هم انفسهم يعترفون بضآلتهم امام الجواهري. والكل يعرف كيف كانت دولارات النفط تُستخدم في شراء الذمم. الجواهري ، بدلا من ان يرفل في دولارات النفط ، اختار المنفى في بلد عربي فقير نفطيا ، وشقة في حي منزوي من احياء العاصمة التشيكية براغ ، شقة صغيرة كان يسميها "شُقيقة" يلوذ بها بين الحين والحين. هذه تساؤلات تبدو مشروعة ونحن نستذكر مسيرة شاعر ارتبط اسمه بنضال الشعب العراقي على امتداد الشطر الأكبر من القرن الماضي.
مشعل التنوير والهموم الوطنية التي حملها الجواهري ربما أزاحت روائع كثيرة الى مراتب ثانوية منها قصيدة عن "لغة الثياب" واخرى عن "البحر حين يسجو" وثالثة عن "باعة السمك". بل كتب الجواهري قصائد غزل وهو في السبعين يتحدى فيها الشعراء الشباب ان يباروا فيها عنفوانه.

مكانة الجواهري لم تقتصر على اعتراف المرجعيات الثقافية والنقاد بإبقائه جذوة الشعر العمودي متقدة ما دام هذا العملاق يضمخ بعطر قريحته معبد النظم العمودي. فلقد كان الجواهري نصير الانسان الصغير ، قريبا الى المسحوقين والمظلومين. وكنت شاهدا على تشييع شقيقته في سوريا عندما تقدم نحو الجواهري جمع من النسوة الملفعات بالعباءة العراقية داعيات له: " الله يحفظك ذخر للعراق وأهله".
ان يجمع أديب بين اتفاق المرجعيات الثقافية على شموخه وحب البسطاء لشخصه فان هذا غاية ما يطمح اليه المبدع. ولعل هذه أجمل قصيدة كتبها الجواهري بلا قافية ولا حتى كلمات.

على صلة

XS
SM
MD
LG