روابط للدخول

زيارة الأديب المصري إراهيم عبد القادر المازني إلى العراق في عام 1936


خالد القشطيني – لندن

ما أن أعلِـن استقلال العراق واستقر الحكم فيه في ظل الأسرة الهاشمية، حتى أصبحت بغداد مزارا للأدباء والشعراء والفنانين العرب من شتى البلدان، ولا سيما مصر. تعلق منهم بصورة خاصة بحياة العراق الأديبان الشهيران زكي مبارك وإبراهيم عبد القادر المازني الذي تردد على بغداد عدة مرات، كان أولها في عام 1936 عندما وفد بصحبة صديقه أسعد داغر.

كان مما تميز به العراقيون تاريخيا إفراطهم بالاحتفاء بالزائر الأجنبي، وهي ميزة تركزت وتعاظمت في أيام الخير. ما أن وطأت قدم الأديب المصري أرض العاصمة العراقية حتى تدفقت عليه الدعوات لحضور شتى الحفلات التكريمية. ولكن الحفلة التي تركت وقعا خاصا في نفسه، كانت الوليمة التي أقامها على شرفه الصحافي المعروف روفائيل بطي. حضرها سائر من كان في بغداد من أدباء ومفكرين مع كثير من رجال الدولة. كان بينهم محمد مهدي الجواهري الذي رحب بالضيف بقصيدة داعبه فيها. فقد كان المازني دميم الخلقة وتهكم هو بصورته فقال:

"انظر إلى وجهي الشتيم اللعين

واحمد على وجهك رب الفنون
أحسب أن الله ما صاغني


كذاك إلا رغبة في المجون"

فقال له الجواهري:

"نظرت لعينيك إذ يشردان


ووجهك ذي الدعة الآمن
فأنكرت قولك ما صاغني


قبيحا سوى عبث الماجن"

ثم مضى أبو فرات رحمه الله، فقال:

"وطالعت آثارك الناطقات


بما فيك من جوهر كامن
وظاهر لفظ رقيق الرداء


لطيف يدل على الباطن"

كان بين الحاضرين أيضا جميل صدقي الزهاوي فلم يتمالك نفسه فانطلق بثلاثة أبيات خفيفة:

"هتفت شباب الرافدين

للكاتبين الأكبرين
هتفت ترحب فرحة


بالفرقدين الطالعين
بالمازني وأسعد


وهما عماد النهضتين"

كانت ثلاثة أبيات تقليدية عابرة، استقبلها الحاضرون من الزهاوي الكبير. لم يفطن أحد أن الشاعر الفيلسوف كان منشغلا بنظم قصيدة طويلة يحيي فيها شعب مصر برمته. وفي مقابل ذلك، كان إبراهيم عبد القادر المازني يعد العدة لكتابة كتاب كامل عن العراق باسم " العراق الحديث". ومن الطريف أن كلا من هذين العملاقين من عمالقة الأدب العربي الحديث لم يقدر له أن يكمل ما بدأ به. فبعد أيام قليلة انتقل الزهاوي إلى رحمة ربه. خف أهله وذووه وأصاحابه لتشييع جثمانه. وعندما حملوا جثته لدفنه في مقبرة الإمام الأعظم وذهبت الخادمة لتوضيب فراشه، وجدت تحت وسادته القصيدة غير المنتهية. قل السمفونية الناقصة: "تحية لمصر".

كان من عادة الزهاوي أن يكتب وينظم الشعر في فراشه ثم يضعه تحت مخدته حتى ينتهي منه، وفي هذه الحالة لم ينته منه.

لقي كتاب المازني عن العراق مصيرا مشابها، وإن اختلف المجرى. فقد أنجز عدة فصول منه وبدأ بطبعها فعلا، ولكنه توقف عن العمل فجأة وتخلى عن المشروع. وبقي ذلك الأمر لغزا غامضا تحير في شأنه الباحثون. قيل إن الملك فاروق أوعز له بالتوقف عن نشر الكتاب بعد أن اغتاض من عمله ولم يرق له أن يرى كاتبا مصريا يكرس نفسه لإعلاء شأن العراق.

وهكذا بقي عملان مهمان غير مكتملين، تحية عراقي للشقيقة مصر وتحية مصري للعراق الشقيق. ولكنها كانت أيام خير، وكانوا رجال خير وأرادوا لشعوبهم الخير، متطوعين لا مؤجرين، ومختارين لا مجبرين.

على صلة

XS
SM
MD
LG